( هذا المقال مهدى الى الصديق غسان المفلح )
مقدمة :
أعترف ان المحرض على كتابة هذا المقال هو عبارة وردت في مقال الصديق غسان – طبقة عاملة ام يسار عامل ؟ – فحواها ( عودة اليمين التقليدي الى الحكم ) .
من جهة أخرى قد لا تروق هذه الكتابة للصيق غسان لأنه سيجد بها هروبا الى الأمام من قبل المثقفين السوريين .
مهلا يا صديقي : فلتكتب أنت وأمثالك من موقعكم عن الداخل ولأكتب أنا من موقعي عن الخارج , علّ كتاباتنا تساهم في إغناء جدل الداخل والخارج وبالتالي تساعد في الانتقال الهادئ والسلمي والتدريجي نحو دولة سورية متصالحة مع العصر .
…………………………………
حقا ان أكبر آفة ابتلي بها النوع البشري في مسيرته على هذا الكوكب هي آفة الملكية الخاصة , فبسببها تراجع الصراع بين الإنسان والطبيعة الى المرتبة الثانية ليحل محله الصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان . ان ظهور الملكية الخاصة قاد البشر الى الصراع المرير بين الطبقات الاجتماعية وما نتج عنه من ثورات وثورات مضادة مثل الثورة والثورة المضادة في ألمانيا القرون الوسطى وما أعقبها من ربط للفلاحين في جذوع الأشجار ومن ثم حرقهم أمام عائلاتهم . ومثل إتلاف الحبوب وغيرها من السلع الغذائية في القرن العشرين أمام أعين الجائعين كي لا يتدنى سعر تلك المواد وتنخفض أرباح التجار.
الصراع الطبقي كان وما يزال وراء بؤس وتعاسة الإنسان , زاده اشتعالا النفخ في شرارته لنجعل منها حريقا هائلا بدلا من تلطيف لهيبه وإعلاء الإنساني على الطبقي في حياتنا .
ان لهيب هذا الصراع قد يحرقنا جميعا اذا استمرينا على هذا المنوال والحقائق تفقأ العين وهذا غيض من فيض .
– الصراع على الثروة والسلطة في البلدان المتقدمة والمتأخرة , الغنية والفقيرة ’ لابل ان الصراع في الدول الفقيرة اشد والعن وأدق رقبة ومن لا يصدق نحيله الى ما قاله البرادعي لمجلة باري ماتش الفرنسية ( الأثرياء في مصر يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقرا , فهناك ستة أو سبعة مصريين في قائمة مجلة فوربس لأغنى 500 رجل في العالم) . الملايين تنام في المقابر داخل مصر والعديد من الدول الفقيرة في حين يعيش حكام هذه الدول حياة أسطورية من البذخ والرخاء .
– السباق المحموم على التسلح النووي من اجل السيطرة على مكامن البترول والثروة وإمكانية وصول هذا السلاح المدمر الى أيدي حمقى او إرهابيين .
– الإرهاب الحالي الذي يتغذى من هذا الواقع . واقع وجود دولة مثل اسرائيل لا تزيد عن بضعة ملايين . تريد استعباد ملايين الناس في المنطقة لتجعل حصة الاسرائيلي من المياه تزيد مائة ضعف عن حصة الفلسطيني صاحب الأرض الشرعي( مقابل ليتر مياه للفلسطيني يصرف الاسرائيلي مائة ليتر مياه ) .
الملفت للانتباه في تاريخ الصراع بين الجهتين هو ذكاء وحنكة ممثلي الطبقات المالكة وتعاونهم فيما بينهم لهضم كل الحركات الدينية والسياسية المناوئة لهم وجعلها بالنهاية تصب في مصلحة زيادة الأغنياء غنى والفقراء فقرا ( ما جرى مع تعاليم السيد المسيح والنبي العربي محمد والشيوعي الثائر كارل ماركس خير شاهد على ذلك) لقد تمكن هؤلاء من فهم حركة القوانين الاجتماعية والتأثير فيها لغير مصلحة التقدم الاجتماعي , في حين لم يستطع ممثلو الطبقات الفقيرة فهم حركة هذه القوانين جيدا والتأثير فيها إيجابا وبما يتفق مع حركتها لمصلحة التقدم الاجتماعي- والقوانين الاجتماعية تعمل بهمجية اشد من همجية القوانين الطبيعية عندما لا نستطيع فهمها من اجل السيطرة عليها – سأقدم مثالا مستوحى من تاريخ الحركات الاشتراكية القديمة والحديثة . فهي جميعها كانت وما تزال تنطلق من أساس أخلاقي غير واقعي مبني على العاطفة وحب الفقراء ُيروَِج للملكية العامة في المجتمع , ويدعو الى الثورة وتغليب الطبقي على الانساني , في حين كان من المفروض ان تنظر تلك القوى الى الملكية الخاصة في تاريخ الجنس البشري بوصفها شر لا بد منه , وتنطلق من واقع الملكية الخاصة لدفعه الى الأمام باتجاه خلق تنمية اجتماعية يستفيد منها المجتمع ككل .
أقول بكل مرارة : ان هذا ما جرى ويجري على يد العولمة حيث فهمتها الحركات السياسية المحافظة أكثر من الحركات السياسية التقدمية وهو ماجعل الأزمات الحالية تحل لصالح زيادة الأغنياء غنى والفقراء فقرا .
ان الرؤية الطوبوية للواقع من القوى الايجابية في المجتمع يساهم في تشتت وتشرزم وتفتت هذه القوى مما يجعل تأثيرها الايجابي في التطور لمصلحة الفقراء اقل مما يسمح به الظرف الراهن ( بدلا من ضغط هذه القوى مجتمعة من اجل إجراء مزيد من التحولات الديمقراطية بشقيها السياسي والاقتصادي لتوفير الحد الأدنى من حقوق الانسان
– حقه في حرية التعبير عن رأيه الى جانب حقه في الحصول على عمل مناسب له – نجد الكثير منها يهرب الى الأمام ويصر على دفن الرأسمالية كتشكيلة اجتماعية من اجل حل مشاكل البشرية .
الأمثلة كثيرة حول واقع القوى التقدمية الحالية وضعفها وانقسامها وعدم التنسيق فيما بينها سواء على المستوى المحلي او على المستوى العالمي وقد اخترت منها مثالان . الأول من الواقع الأمريكي والثاني من الواقع السوري .
1- في أمريكا صراع حاد بين قوى محافظة وقوى اصلاحية . قوى محافظة تريد العمل على طريقة الضربات الاستباقية العسكرية لكل من لا يمشي وفق إرادتها, وقوى اصلاحية تريد التخلص من هذا الإرث الثقيل والاعتماد على القوى الموجود داخل وخارج المجتمع الامريكي لحل مشاكل العالم , في حين نجد كثيرا من التقدميين داخل وخارج أمريكا لايصطفون مع هذا المحور لتقويته . بل ان بعضهم يجد جورج بوش أكثر تقدمية من باراك اوباما ؟
2- في سوريا انقسام حاد داخل حركتها الوطنية السورية الى جهتين تتبادلان الاتهامات لدرجة تصل حد التخوين: جهة تقول : ان الخطر على سوريا في هذه المرحلة يأتي من الخارج الطامح بثرواتنا والمتمثل حاليا بالامبريالية الأمريكية والصهيونية . وجهة تقول الخطر من الاستبداد الجاثم على صدرنا , وما لم نتمكن من تغيير الصيغة الداخلية لتصبح أكثر عدالة في تعاملها مع جميع مكوّنات المجتمع لن نستطيع أن نبدأ بالعمل جاهدين على تغيير الصيغة الخارجية لكي تصبح أكثر عدالة معنا ككل بدورها.. وهذا الانقسام تستفيد منه بالدرجة الأولى رموز الفساد والاستبداد وتجعل القوى الوطنية في سوريا غير قادرة على الفعل في المجتمع مهما كان بسيطا ( مثل الضغط من اجل مساعدة كثير من المجردين المدنيين الذين يقف الدستور السوري الى جانبهم في العودة الى وظائفهم , ولكن القوى الأمنية ترفض ذلك من اجل أن تجعلهم عبرة لغيرهم ) .
كامل عباس – اللاذقية




















