ركيزتا السياسة الاميركية في الشرق الاوسط الان هما المفاوضات غير المباشرة بين السلطة الفلسطينية واسرائيل وفرض عقوبات على ايران بسبب برنامجها النووي. وكل ما يمكن ان يعطل هذين التوجهين لن يحظى بتأييد اميركي. ومن هنا يأتي الاصطدام بالدور التركي سواء في ما يتعلق بالملف النووي الايراني او القضية الفلسطينية.
وعلى رغم ان حماية اسرائيل من الانتقادات الدولية هي سياسة اميركية ثابتة، فإن التبرير الاميركي للهجوم الدموي على "اسطول الحرية" الذي حاولت تركيا ان تقوده في اتجاه غزة، كان مبالغاً في انحيازه وتغطيته للجريمة، لا بل ان المسؤولين الاميركيين كانوا واضحين في تأييدهم لابقاء الحصار على القطاع لأنه يمنع من وجهة نظرهم ووجهة النظر الاسرائيلية وصول الاسلحة الى "حماس". وبما ان تقويض "حماس" هدف اسرائيلي – اميركي مشترك فإن الحصار يجب ان يبقى.
وتالياً، فإن المحاولات التي تبذلها تركيا من أجل رفع الحصار اصطدمت باسرائيل ولم تلقَ تأييداً اميركياً. وكان مفهوماً ان لا تؤيد اميركا محاولات عربية لفك الحصار في ما لو وجدت مثل هذه المحاولات، لكن ان تصل الامور بها الى حد التعامل مع تركيا بالطريقة التي تتعامل بها مع العرب، فإن ذلك يؤشر الى ان ادارة الرئيس باراك اوباما تجازف ايضاً بخسارة حليف استراتيجي في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي. فتركيا في إحدى المراحل كانت النموذج الذي تضربه اميركا عن الرؤية التي تريدها للاسلام في العالم، بصفتها معقلاً للاعتدال ونقيضاً للتطرف الذي تقدمه "القاعدة" و"طالبان" عن الاسلام.
اليوم نرى ان اميركا تقف في مواجهة تركيا وتدفعها الى مواقف اكثر تشدداً، ومرد ذلك الى عدم قدرتها على مواجهة اسرائيل حتى بالانتقاد. والرسالة الاميركية-الاسرائيلية المشتركة لأنقرة هي ان تكف عن القيام بأي دور لا يتلاءم مع سياسة اميركا واسرائيل.
فالاتفاق النووي الايراني – التركي – البرازيلي شكل إحراجاً للولايات المتحدة، وقد اعتبرته واشنطن بمثابة عرقلة لمشروع فرض العقوبات على ايران. ومنذ اللحظة الاولى أطلقت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون النار على هذا الاتفاق، واتفقت مع اسرائيل على وصفه بانه محاولة ايرانية للوقوف في وجه العقوبات.
وفي ملف الصراع العربي – الاسرائيلي، تبني ادارة اوباما بعد أكثر من سنة على التعثر في محاولاتها لاحياء المسار الفلسطيني، كل آمالها على المفاوضات غير المباشرة التي اتفق مبدئياً على بدئها بين السلطة الفلسطينة واسرائيل. ولذلك تنظر واشنطن بعدم الارتياح الى كل ما من شأنه ان يعطل انطلاق هذه المفاوضات. ولهذا السبب لم ترَ الولايات المتحدة في عملية قتل نشطاء السلام في عرض البحر عملاً يستأهل التوقف عنده كثيراً، وقالت بوضوح ان المهم ان لا تتعطل المفاوضات غير المباشرة. كما انها حرصت على ان يأتي بيان مجلس الامن مخففاً الى اقصى الحدود بحيث لا يثير اسرائيل ويدفعها الى تغيير رأيها في المفاوضات.
وبناء على ما تقدم، بات الدور التركي غير مقبول اميركياً بعدما كان غير مقبول اسرائيلياً على اثر الموقف القوي الذي اتخذته انقرة من الحرب الاسرائيلية على غزة. واليوم يساور واشنطن ارتياب من الدور التركي سواء على جبهة الملف النووي الايراني او على جبهة الصراع العربي – الاسرائيلي.
ولا يشكل الموقف المتساهل حيال الهجوم الدموي على السفينة التركية، حرجاً لاميركا التي ترى ان العرب أصحاب القضية لا يحركون ساكناً منذ ثلاثة اعوام بالنسبة الى حصار غزة، كما ان معظم الدول العربية لا يمانع ضمنياً في فرض العقوبات على ايران. لذا يتساءل المسؤولون الاميركيون عن السبب الذي يدفع تركيا الى تنكّب ادوار تزعج اميركا واسرائيل!
"النهار"




















