عقب الاعلان عن تشكيل "اسطول الحرية"، سمحت الحكومة الاسرائيلية للمرة الاولى منذ اربع سنوات، بادخال مواد بناء لمصلحة مشروع اسكاني تابع لـ"الاونروا" في قطاع غزة.
جاء القرار الاسرائيلي بناء على توصية امين عام الأمم المتحدة بان كي مون، اثر زيارته للضفة الغربية وغزة. وقد تعهد خلال تلك الزيارة بأن تتولى وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين، عملية الاشراف على استكمال مشروع الاسكان بعيدا عن تدخل "حماس" او غيرها من المنظمات السياسية.
وقد ادعت اسرائيل في حينه ان مواد البناء المنقولة الى غزة، سرعان ما تستعملها "حماس" لانشاء ملاجىء محصنة اسوة بنموذج "حزب الله" في جنوب لبنان. كما يُخصص جزء منها لبناء قواعد لصواريخ القسام وألوية الناصر صلاح الدين.
مطلع الشهر الماضي، اصدرت الحكومة الاسرائيلية بيانا رسميا بقائمة المنتوجات والحاجيات التي سمحت بنقلها الى غزة خلال الاشهر الخمسة الماضية. وتضمنت القائمة ارقام نصف مليون شاحنة محملة بالوقود السائل لمحطات توليد الطاقة، وغاز الطهي والادوية والفواكه والخضروات واللحوم وعلف الحيوانات ومستحضرات التنظيف والسكر والقمح والقهوة… وخلافها.
واستنتجت الصحف من توقيت صدور القائمة، ان اسرائيل تسعى الى ازالة الانطباع القائم لدى الرأي العام، بأن الدولة المشرفة على نقاط المعابر لا تسمح بنقل الحاجات الاساسية والمساعدات الانسانية. لهذا السبب كان نتنياهو يتوقع من الأمم المتحدة التدخل لالغاء السفن المتوجهة الى قطاع غزة. وحجته ان الدوافع التي يتذرع بها منظمو "اسطول الحرية" ليست انسانية بل سياسية – اعلامية. وعليه قرر التصدي لهذه الرحلة بكل الوسائل المتاحة.
وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين أرسلت الى اسرائيل بيانا تفصيليا يتعلق بالوضع المزري داخل القطاع. ويشير البيان بالارقام الموثقة ان سبعين في المئة من عدد السكان يعيشون على ما نسبته دولار واحد في اليوم. وان ستين في المئة من الذين يقطنون في شبه سجن كبير، يشربون مياهاً ملوثة. وان خمسة وسبعين في المئة يعتمدون في عيشهم وطبابتهم على المساعدات الخارجية. علما بأن هذه المساعدات تخضع للرقابة وقانون المصادرة اذا كانت قابلة للاستعمال في قطاعات ربما تستفيد منها "حماس". فالحديد مثلا بين المواد الممنوعة لأنه قد يُستعمل في البناء او في صنع الصواريخ.
وفي بيان آخر نشره البنك الدولي، ما يؤكد ان ثمانين في المئة من المواد المهربة عبر الانفاق هي التي تؤمن الضروريات الملحة لسكان القطاع كالادوية المفقودة وكل ما يتعلق بالصحة العامة.
من المؤكد ان "حركة غزة الحرة" أُنشئت بهدف الالتفاف على الحصار الاسرائيلي واثارة الاهتمام بمستقبل الذين يقبعون في شبه سجن مغلق برا وبحرا وجوا. وتضم "الحركة" بين اعضائها عددا ضخما من الكتاب والاعلاميين والاطباء والمحامين والاكاديميين، اضافة الى علماء واساتذة جامعات ممن وقعوا عرضية الثلاثة آلاف يهودي في اوروبا. وقد دعم هذه "الحركة" بقوة الاكاديمي نعوم تشومسكي والكاهن ديزموند توتو. كذلك أيدتها كل منظمات حقوق الانسان من دون تحفظ.
يقول وكيل الخارجية الاسرائيلية داني أيالون ان الحكومة طرحت خيارات عدة قبل التصدي "لأسطول الحرية" المؤلف من تسع سفن كانت تقل 679 شخصا. ومن ابرزهم واكثرهم شهرة كان الكاتب الاوسترالي بول ماكجوي مؤلف كتاب "اقتلوا خالدا" والقاضي السويدي هاننغ مانكل والمعروف ان كتاب "اقتلوا خالدا" الذي ترجم الى خمس لغات، قد اثار استياء بنيامين نتنياهو لأنه يروي بالتفاصيل اسرار محاولة اغتيال خالد مشعل سنة 1997. وصدف انه قبل اسبوعين فقط، قرر وزير خارجية اوستراليا ستيفان سميث طرد موظف "الموساد" من سفارة اسرائيل لأنه زور جوازات سفر مواطنين من سيدني استُخدمت في عملية اغتيال محمود المبحوح في دبي.
في اجتماع اللجنة الامنية المصغرة، حاول وزير الدفاع ايهود باراك تحاشي الصدام مع المشاركين في حملة "اسطول الحرية"، لذلك اقترح اعتراضا سلميا بواسطة عشرات اليخوت الخاصة.
وانتقد وزير الخارجية ليبرمان هذا الاقتراح، وطالب بضرورة التصدي للسفن في المياه الدولية، مثلما فعل الاميركيون اثناء ازمة كوبا مطلع الستينات في عهد الرئيس جون كينيدي. والمؤكد ان نتنياهو تبنى هذا الرأي بدليل ان الصدام حصل على بعد 80 ميلا خارج المياه الاقليمية. علما بأن مقارنة حصار كوبا بحصار غزة غير صحيحة لأن كوبا نشرت صواريخ سوفياتية فوق ارضها موجهة نحو المدن الاميركية، بينما غزة تُحاصر لأن "حماس" ترفض الاعتراف باسرائيل.
ومع ان رئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية، أمر باعتقال العشرات من ألوية الناصر صلاح الدين، لاشتباهه بأنهم يطلقون الصواريخ على اسرائيل، الا ان هذا لا يعفيه من العقاب.
المهم في الامر ان نتنياهو طلب من قائد سلاح البحرية الميجر اليعازر ماروم، اختيار افضل رجال الكومندوس للقيام بمهمة الاستيلاء على السفن. وانتقى ماروم فرقة من افراد الصاعقة البحرية، تساندها وحدة تدعى "ميتسادا" تابعة لمصلحة حماية السجون. وأطلق على العملية اسم "رياح السماء" لأن الاستيلاء سيتم من طريق التدلي بالحبال من مروحيات عسكرية تحوم فوق السفن.
الصحف الاوروبية عموما انتقدت بشدة حماقة نتنياهو وتهوره، وذكّرت بالقرار الخاطىء الذي فرضه على داني ياتوم، رئيس "الموساد"، آخر سنة 1997 عندما طلب منه تصفية خالد مشعل في عمان. واعترف ياتوم يومها بأنه اقترح تنفيذ عملية اغتيال مشعل خلال زيارته تركيا. وحذر نتنياهو من اغضاب تركيا لكونها تمثل الحليف الاستراتيجي ضد العرب. ولكنه اغضب الملك حسين الذي جنى ثمار تلك العملية الفاشلة باجبار اسرائيل على اطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين، والعمل على انقاذ حياة خالد مشعل بواسطة طبيبة تابعة لخلية الاغتيال. ويبدو انها كانت تنزل في فندق أردني وبحوزتها مادة لتعطيل مفعول السم.
بعد الفشل الذريع الذي مُنيت به تلك العملية، دفع نتنياهو ثمنها غالياً من دوره السياسي، الامر الذي انتهى باقصائه عن الحكم وباحالة داني ياتوم الى التقاعد. ويتوقع المراقبون أن يقود تهور رئيس وزراء اسرائيل الى عزلة بلاده مثلما عزل المجتمع الدولي في السابق النظام العنصري في دولة جنوب أفريقيا. وفي تعليق كتبه الصحافي السويسري فردريك كولير، وصف دقيق للخسائر العسكرية والديبلوماسية والاخلاقية التي منيت بها دولة اليهود. ذلك ان حجم الخسارة العسكرية تبين من خلال استخدام القوة المفرطة ضد 700 ناشط وبرلماني واكاديمي وحامل جائزة نوبل، وكل ما تمثله هذه المجموعة من قيم مرتبطة بالحريات وحقوق الانسان. أما الخسارة الاخلاقية فقد تجلت بعجز اسرائيل عن اقناع العالم بالحق الذي تدعيه من غير طريق السلاح والقوة. في حين ظهرت الخسارة الديبلوماسية كحملة إدانات شملت كل العالم الاسلامي، اضافة الى الدول الاوروبية ومنظمة الأمم المتحدة. خصوصاً ان الاعتداء المتعمد على المشتركين جعلها في حال نزاع مع تركيا، البلد الاسلامي المعتدل. وقد حذر رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان من "اختبار صبر" بلاده، متهماً نتنياهو بالكذب والرياء، مهدداً بعدم عودة العلاقات الى ما كانت عليه في السابق. وقبل أن يجتمع بمستشاريه العسكريين كرر أردوغان أهمية معاقبة اسرائيل على انتهاكها القوانين الدولية، كأنه بذلك يطالب بعودة المدعي العام السابق في المحكمة الدولية الخاصة بجرائم الحرب ريتشارد غولدستون.
قبل توجه "اسطول الحرية" نحو شاطئ غزة، دعا رئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية السكان الى الخروج في مسيرات وتنظيم مهرجانات لاستقبال الضيوف.
وفي اشارة الى دور تركيا، قال هنية: "ان دولة الخلافة تركيا تقود تحولات استراتيجية في المنطقة قائمة على الانفصال عن التحالف مع المشروع الاسرائيلي".
وكان بهذا الكلام يلقي الضوء على دولة الخلافة العثمانية التي رفضت مخططات الصهيونية لتحويل فلسطين وطناً لليهود. وقد تصدى لهذا المشروع السلطان عبد الحميد الثاني الذي أمر بمنع بناء مستعمرات ليهود روسيا، كما منع بيع أراضي فلسطين لليهود. وقد سجل اعترافاته في وثيقة تاريخية يقول فيها انه لم يتخلّ عن الخلافة الاسلامية، وإنما أجبرته الصهيونية والدول المؤيدة لمشروعها، على تركها.
وكان من الطبيعي أن يؤدي "الانقلاب" الذي تحقق بخلع السلطان عبد الحميد الثاني، الى تحسن الفرص والمجالات المفتوحة أمام الحركة الصهيونية لتهجير اليهود الى فلسطين.
واستناداً الى هذه الخلفية التاريخية كتب بعض المحللين يقول ان عملية الاستيلاء على سفينة "مرمرة" لم تكن موجهة الى الدول العربية، بقدر ما كانت موجهة الى "حزب العدالة والتنمية" في تركيا. أما الغاية السياسية التي توخاها نتنياهو من وراء التحدي، فقد تمثلت بتحذير العرب من الاستقواء بتركيا لأنها عاجزة عن استرداد حقوق الفلسطينيين مثلها مثل روسيا أو فرنسا.
في رده على هذا التهويل اختصر أردوغان موقف تركيا بأمرين: ان العلاقات لن تعود الى سابق عهدها أبداً… وانه بقدر ما تكون صداقة تركيا قوية فإن عداوتها أقوى!
ومن أجل ترجمة هذين الامرين واقعاً، لا بد من الاشارة الى ان هذا الكلام موجه الى الجيش التركي، وريث نظام كمال أتاتورك وحاميه. والاتاتوركية بمعناها العملي فصلت تركيا الحديثة عن العرب والمسلمين الذين تخلوا عن حكم الامبراطورية وتآمروا مع البريطانيين لطرد العثمانيين. لذلك أمر أتاتورك باعتمار القبعة بدل الطربوش، واستبدال الاحرف العربية بأحرف لاتينية، وادخال نظام العلمنة في الحكم. كل هذه المظاهر كانت تمثل أدوات الانفصال عن الماضي. وضمن هذه القواعد كان السياسيون يتحركون داخل الدائرة التي يرسمها حارس النظام، أي الجيش.
مع وصول حزب "العدالة والتنمية" الى الحكم، بدأت الاتاتوركية تتغير وتتبدل، إن كان من حيث وظيفتها الاساسية أم من حيث تعاملها مع دول المنطقة. ولدى مراجعة ظروف المرحلة الاخيرة، يتبين للمراقب ان تركيا الجديدة تمردت على الضوابط السابقة، وقررت الدخول في نسيج منطقة الشرق الاوسط، متبنية مشاكله وهمومه. من هنا القول ان نتائج معركة "اسطول الحرية" ستنعكس على الوضع الداخلي في تركيا بحيث يبقى الجيش في ثكناته كقوة تنفيذية تابعة لارادة السياسيين. هل هذا يعني ولادة دور جديد لتركيا؟
يعترف ديفيد بن غوريون في مذكراته، انه تعمد محاصرة العالم العربي، أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، من طريق اتباع "سياسة القفز فوق الحواجز". أي سياسة مد الجسور مع ايران وتركيا واثيوبيا بهدف تطويق دول المواجهة والدعم. ثم جاءت ثورة الخميني لتسقط ايران من هذه المعادلة. ومع ان السياسيين في تركيا تعاملوا بانفتاح وتعاون مع العالم العربي منذ أكثر من ثلاثين سنة، إلا أن علاقات العسكريين بالمؤسسة العسكرية الاسرائيلية ظلت قائمة ومتطورة.
وعندما يقول أردوغان ان العلاقات مع اسرائيل لن تعود كما كانت ابداً، فإن ترجمة هذا الكلام على أرض الواقع أن الجيش سيلغي كل عقوده، ويقبل بالانسجام مع سياسة النظام الجديد لا مع سياسة النظام العتيق.
ولكن، هل تسلم فترة التحول والانتقال من عصيان الجيش وتمرده؟
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)
"النهار"




















