الفجوة الكبيرة بين إسرائيل وتركيا لم تولد على سفينة "مرمرة". الأحجية الكبيرة هي هل يوجد طريق عودة بعد قافلة الإبحار إلى غزة، أم أن الحلف الاستراتيجي هذا قد انتهى كليا، والأسوأ من ذلك: هل تحولت الصديقة الكبيرة إلى خصم.
مسار التصادم، الذي صعدت عليه الدولتان، يمكن أن نلاحظه منذ بداية الألفية، منذ أن تولى الحكم في أنقرة حزب "العدالة والتنمية"، المعروف بخطه الإسلامي المحافظ. رئيس الحكومة اردوغان، الرئيس غول ووزير الخارجية أوغلو، جاءوا من خلفيات إسلامية واضحة. فهم لديهم علاقات سياسية، اجتماعية وتجارية في دول إسلامية مثل السعودية وماليزيا، وليس في الغرب. وهم على عكس سلفهم، وعلى عكس فكر مؤسس تركيا الحديثة أتاتورك، لا يؤمنون بالإسلام الثقافي فقط، الطقوس والشعارات، بل يرفعون شعار الإسلام السياسي، ما يقربهم إيديولوجيا من حماس وبشكل خاص من الإخوان المسلمين.
على المستوى العلني، لا تزال تركيا تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لكن، في أيام الحكم العلماني كان وجهها إلى الغرب وظهرها للشرق، وفي أيام أردوغان اتخذت خطوة إلى الوراء وأعلنت انه في نيتها أن تستخدم كجسر، ومع مرور الوقت تبين أن الميل نحو الشرق الأوسط يزداد.
لكن وجهة أنقرة اليوم ليست نحو الشرق الأوسط العربي فقط،فهي من جهة أولى تؤسس لسياسات مستقلة وغير متجانسة مع المفهوم الكلاسيكي، وهي ليست في حضن إيران وتتملص من المشاركة في المثلث معها ومع سوريا. وهي انضمت إلى البرازيل، دولة غير متجانسة أخرى، في اتفاق اليوارنيوم الأخير مع طهران. من جهة ثانية، تركيا تتوجه اليوم إلى الشارع العربي الذي يعتبرها اليوم أنها من يخرق الحصار على غزة، وحسب الظاهر تقوم بذلك أفضل من الزعماء العرب، غير المرتاحين من النغمة الهجومية التي تصدر من أنقرة في الفترة الأخيرة.
لقد تحولت إسرائيل تحت حكم أردوغان من شريك استراتيجي حميم إلى دول عادية، وحتى تقريبا إلى عبء. العلاقات معها أصبحت رهينة الموضوع الفلسطيني، وحتى بيد حماس. وبذلك لم يتردد رئيس الحكومة التركية في إذلال أبو مازن، عندما كان الزعيم الأول الذي دعا مسؤولي حماس إلى زيارة رسمية بعد نجاحهم في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني 2006.
حتى أن الجيش التركي خضع لعملية تغيير. إذا كنا قد اعتدنا في السابق على تدخله عندما تكون المؤسسة العلمانية في خطر، الآن، في أعقاب الإصلاحات التي طلبتها تركيا من أردوغان والخطوات التي اتخذها أيضا من تلقاء نفسه، الجيش التركي ضعيف، ومثله أيضا تأثير مجلس الأمن القومي التابع لوزارة الخارجية التركية.
لا توجد مصلحة مطلقة لتركيا في الوقت الحالي لقطع العلاقات مع إسرائيل، ولذلك ليس من المؤكد أن تسارع إلى خطوة متهورة. يمكن الاستمرار والضرب هنا وهناك على الرغم من العلاقة معها، ومن جانب آخر، القفز على عجلة السلام كوسيط، إذا ما تحرك شيء ما. لكن المظاهرات الصاخبة، المتوقع أن تزداد مع وصول التوابيت من القافلة البحرية، إلى جانب شهادات عن السفينة، ستخضع العلاقات الهشة إلى اختبار آخر. وقف العلاقات العسكرية وطرد السفير الإسرائيلي بالطيع يؤخذان بالحسبان.
بالإضافة إلى كل ذلك، يبدو أن تركيا تنوي أن تسبب لإسرائيل أضرارا كبيرة على المستوى الدولي وان تكون قاسية. الدعوة إلى اجتماع مجلس الأمن والناتو هي فقط البوادر الأولى، مجلس حقوق الإنسان يتوقع أن يجتمع بمبادرة من تركيا، وعلى جدول الأعمال "غولدستون-2". ويمكن أيضا أن يطالب بمحاكمة مسؤولين إسرائيليين كبار أمام الانتربول الدولي. عضوية تركيا في مجلس الأمن قد تضر إسرائيل على مستوى آخر، وهي العقوبات على إيران.
أما بالنسبة للانعكاسات الأمنية، من الصعب التصديق انه ستحصل مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل. الأولى تحرص للحفاظ على نفسها امام الشرعية الدولية. من جهة ثانية من يعلم ما الذي سيحصل بمصير التكنولوجية الإسرائيلية التي بيعت إلى الأتراك الذين يوطدون الآن العلاقات مع طهران ودمشق؟، من الذي يعلم إذا كانت تركيا لن تفتح أجواءها أمام الطائرات الإيرانية التي تنقل السلاح إلى سوريا ومن هناك إلى لبنان؟.
إلى متى سيتمر كل هذا؟، المستقبل القريب لا يبشر بالخير. أردوغان وضع أمام استفتاء عام، غايته تمرير إصلاحات تضعف أكثر الجيش والمؤسسة القضائية. خطابه القاسي أمام البرلمان بالتأكيد أدى إلى دعمه، وفرص تمرير الاستفتاء جيدة. ومن هناك تعبد الطريق إلى الانتخابات العامة المتوقعة خلال سنة، ينجح فيها رئيس حكومة قوي سياسيا. بعدها ربما يمكن ان نعرف إلى أين تتجه تركيا.
("يديعوت أحرونوت" 6/6/2010)
المستقبل




















