مرت فترة زمنية تراوح بين 12 ساعة الى 14 ساعة حتى نشر الصور التي تظهر جنودا اسرائيليين يتعرضون للضرب ومصابين جراء هجوم منسق ومخطط له على متن سفينة "مرمرة". لو نشرت مقاطع الصور هذه قبل ذلك لكان من المحتمل أن تحدث تغييرا حاسما في الشكل الذي فهمه العالم وفي تفسيره لما حدث على متن السفينة. ربما كانت في مقدور الصورة ان تكون مختلفة تماما لو تلقت وسائل الاعلام معلومات سلفا عن هوية المسافرين، ولو كانت تعرف الحقيقة عن طابع وهوية المنظمات التي وقفت وراء الاسطول، والحقيقة عن هوية "نشطاء السلام" اولئك وهي معلومات استخبارية كان من المعقول الافتراض ان اسرائيل كانت تملكها وهي التي تعقبت من قريب هذا الاسطول مدة 6 أشهر.
كان يتعين على اسرائيل أن تستعمل هذه المعلومات استعمالا ناجعا حتى قبل ان يخرج الاسطول من الميناء. لكن كل ذلك لم يحدث. فالصورة التي حصل عليها العالم بالفعل كانت العكس المطلق للحقيقة، أي الصورة التي أراد منظمو الاسطول ان يصدقها العالم. وكان من نتيجة ذلك أن وقفت اسرائيل أمام اخفاق دعائي آخر، ذي تأثيرات استراتيجية ثقيلة الوزن: اهتزاز العلاقات مع تركيا وتوتر جديد في العلاقات بأوروبا بل بالعالم العربي وحتى بالولايات المتحدة.
في بؤرة هذه الحادثة، كما في الهزيمة الديبلوماسية العامة لاسرائيل بعد عملية "الرصاص المصهور" في قطاع غزة (كانون الأول 2008 كانون الثاني 2009)، وجد الفرق بين الأشخاص الذين يملكون المواد لتأسيس "الرواية" الاسرائيلية من المنظومة الاستخبارية، وبين الاشخاص الذين يجب أن يبينوها للعالم أي المنظومة الدبلوماسية العامة. بطبيعة الأمر لا يمكن أن ينشر على الملأ جميع المواد الاستخبارية اذا كان هذا النشر قد يعرض للخطر مصادر المعلومات او المهمة.
لكن في حالة الاسطول المحددة، ليس واضحا ابدا ما إذا كانت المواد التي تعرض الهجوم الوحشي على جنود الوحدة البحرية الاسرائيلية قد تأخر نشرها لهذه الاسباب. يبدو أن السبب الرئيس لتأخير نشر الصور كان خوف الجيش من أن يفضي نشرها الى خفض الروح المعنوية في صفوف الجيش فضلا عن الانتقاد العام.
وهكذا أخر الجيش، بموافقة مناسبة من الحكومة، نشر مقاطع الصور، وهو قرار ربما كان صحيحا من وجهة نظر الجيش، لكنه خاطئ من وجهة نظر علاقات الدولة الخارجية. الجيش ليس مسؤولا عن الدبلوماسية العامة للدولة أما الحكومة، في مقابلة ذلك فهي مسؤولة عنها. فهي عرفت بالمواد، لكنها قبلت كما يبدو منطق الجيش الذي ينظر الى العالم بمنظار يختلف تماما.
كانت تعي الحكومة ايضا هوية الركاب على متن السفينة، وطابع وتاريخ المنظمة التي تقف وراءها H H I. وكانت تعرف أيضا بتعاون الحكومة التركية في هذا الشأن، وبمسؤولي حماس الكبار على متن السفينة (قائد حماس في اوروبا مثلا)، وبالارهابيين المعروفين كمسلمين متطرفين، أرادوا الوصول الى غزة بهدف تدريب حماس على استعمال تقنيات متقدمة وانتاج قنابل. بعد أيام من الحادثة، عندما سمح بنشر هذه المعلومات، بدأ الرأي العام العالمي يميل الى جانب اسرائيل، لكن الضرر الذي وقع كان عظيما.
إن الكشف عن طابع المعتقلين في الحادثة، وعن تاريخ المنظمات الاسلامية المشاركة، وعن القسوة ("عودوا الى اوشفيتس") للردود على شبكة اتصال السفينة على النداءات الاسرائيلية التي تحذرها من التقدم نحو غزة، ودور تركيا، والعنف المنظم الذي يعرض حياة الجنود للخطر ممن نزلوا فوق متن السفينة، كان يمكن أن يخلق وجهة نظر تختلف تماما للرواية التي صدرت الى العالم لو كانت هذه المعلومات حاضرة امام المسؤولين عن الدبلوماسية العامة الاسرائيلية. وللأسف الشديد لم تكن هذه المعلومات حاضرة. وكان من نتيجة ذلك أن اندثرت شهور من الاعداد في وزارة الخارجية وديوان رئيس الحكومة لطرق الرد على تحدي الاسطول.
لب المشكلة ومصدرها يكمنان على نحو غير مفاجئ، في المنظومة الاستخبارية. لا ينبع ذلك من نية سيئة، بل من جوهر وطبيعة تلك المنظومة: السرية والكتمان والتمسك بهدف واحد فقط هو مساعدة قوات الجيش الاسرائيلي على تنفيذ مهمتها. لا يعني هذا أن أجهزة الاستخبارات عمياء عن حاجات الدبلوماسية العامة الاسرائيلية؛ بل الأمر ببساطة غير موجود في مكان مرتفع في برنامج عملها. ومن هنا كان الصمت عن "النشطاء" على متن السفينة، وعن غايتهم النهائية للخروج الى غزة.
يجب ان يتغير هذا الوضع. في هذه الفترة وهذا العصر، ذلك أنه في ظل واقع تُذاع فيه نشرات الأخبار في عدد لا يُحصى من القنوات، 24 ساعة في اليوم، وحيث أن السرعة والتفوق على المنافسات هو هدف الجميع تسيطر الاشاعات و"الحيل الاعلامية" والتلاعب بالحقائق، كما تجسد ذلك بصورة دراماتيكية في حادثة الاسطول، في عملية "الرصاص المصهور" في قطاع غزة التي أفضت الى انشاء لجنة غولدستون وفي الحادثة الحالية، فان الحاجة الى مواد تساعد اسرائيل على تثبيت ادعاءها وصدقها مهمة على نحو لا مثيل له. لم يعد الأمر يتعلق بمسألة صورة، لكن في سياق الواقع بعد غولدستون والحملة المنسقة لوصم اسرائيل وسلب الدولة شرعيتها، يبدو الأمر مهما بنفس القدر، أو أكثر، مقارنة بالمعارك التقليدية التي تواجهها اسرائيل. نتيجة لهذه الحملة الدعائية، تواجه اسرائيل مقاطعات اقتصادية وفنية وأكاديمية، وهجمات لا تنقطع في الأمم المتحدة ومحافل عالمية أخرى. تسعى حملة التشهير هذه الى تقويض حلفائنا وبخاصة في العالم العربي، حيث المشاعر المعادية لاسرائيل في ذروتها، وتحرج أصدقاءنا.
حان الوقت كي يبدل المسؤولون في المنظومة الاستخبارية والامنية اتجاههم في كل ما يتعلق بمجال التعاون في المعلومات. ثم وعي متزايد لكون هذا الأمر ضروريا، لكن ثمة حاجة عاجلة الى اتخاذ خطوات محددة في هذا الاتجاه. تملك اسرائيل أجهزة الدبلوماسية العامة المطلوبة كي تعرض روايتها بنجاعة، ولكن هذه الأجهزة تكون عاجزة من دون ذخيرة.
"المستقبل"




















