قصة قصيرة :
تسمرتِ السيارةُ الشاحنةُ الكبيرة بصراخ حاد قبل نهاية الشارع الطويل ، فتوقفت سيارةٌ سياحيةٌ سوداء على بعد مترين منها .
طلب سائق الشاحنة من سائق السيارة السياحية التراجع للخلف بإشارةٍ من يده ، فطلب سائقها منه مهدداً ، أن يتراجع هو للخلف ، وكانت سياراتٌ مختلفة الأنواع اصطفت خلف الشاحنة .
أخرج سائق الشاحنة رأسه مشيراً بحركة إيمائية من يده أنه لا يستطيع التراجع ، فالشارع ضيقٌ ، ورتلُ السيارات خلفه ملأ نصف الشارع ، لكن سائق السيارة السياحية اكتفى بالتلويح بيده آمراً بعناد سائق الشاحنة بالتراجع .
توقفت حركة البيع والشراء في هذا الشارع المكتظ بالبقاليات وبائعي الخضار والأرصفة والعربات الصغيرة ، فانزرع الناس فيه حول السيارتين مترقبين معركةً طاحنةً بين السيارتين والسائقين .
تعالى زئير زمور الشاحنة القابع على سطح " كبين " السائق ، فرددتْ خلفه أبواقُ السيارات الأخرى محتجةً ومشكلةٌ بتوزيع موسيقي جوقةَ أبواق نفير حربٍ ، أصمَّتْ آذان المتواجدين في الشارع ، وحثَّتْ آخرين من الأزقة القريبة إلى الالتحاق بهم ، وأطلت النساء من الشرفات مذعورةً ، تشهد مع الأطفال هذا القطار من السيارات .
أخرج سائق السيارة السياحية يدَه آمراً السيارات بالتراجع ، وهو ينذر سائق الشاحنة بالويل والثبور وعظائم الأمور ، لتطاوله على سيارته ، فابتعد الناس عن السيارة السياحية خشية أن يرفع سائق الشاحنة قدمه عن " دعسة فرامها " ، لتنقضَّ وتهرس السيارة السياحة في طريقها ، واقترب عددٌ من وجهاء الشارع من سائق الشاحنة راجين منه التراجع ، فشتم أبا السيارات وأم السائقين وأخت هذا الزمان … ، فتابعوا رجاءهم منه بالتراجع .
في هذه الأجواء المنذرة بحرب داحس والغبراء ، ظهرت دوريةُ شرطةِ المرور ، فاتجه رجالها إلى السيارة السياحية ، لكن سائقها قطع الطريق عليهم ، وأمرهم متوعداً بأن يأمروا السيارات بالتراجع وفتح الطريق لسيارته ، وكان رتل السيارات قد تجاوز بداية الشارع الطويل ، فتباطأت خطوات رجال الشرطة ، ووقفوا على الرصيف حائرين ، لا يعرفون ماذا يفعلون ، وأطلق كبيرهم العنان لجهازه اللاسلكي .
تقدمت الدكتورة أكاسيا صاحبة العيادة النفسية ، التي تتربع في منتصف الشارع من سائق السيارة السياحية ، وسألته بود :
– لمَ لا تعود يا ولدي بسيارتك للخلف ؟. وأنت عل بعد أمتار من نهاية الشارع ، وهو كما ترى ذو اتجاه واحد .
همس السائق في أذنها :
– أنا لا أعرفُ أن أركِّبَ السرعةَ الخلفية ، فطلبتْ منه أن يخليَ لها مقعدَ القيادة .
حمص 23/5/ 2010




















