المُلك، دولة الواحد، الطغيان، دولة الجمهور حديثاً، اللادولة، الأصولية، النخبة، الشورى.. مصطلحات عديدة، يعالجها عبد الله العروي في ديوانه السياسي؛ وبنبرة نقدية عارمة، يطرح تساؤلات إشكالية، ما برحت حتى اللحظة، تؤرق الحالمين في بناء دولة حديثة من المحيط الى الخليج؛ وبصيغة أقرب ما تكون الى المونولوج الأدبي. يتساءل، لماذا لم يحصل عندنا الفطام بين الغريزة والعقل؟ بين المبايعة والمواطنَة؟ وما الذي يمنع تكون النخبة السياسية؟
في مؤلفه "من ديوان السياسة" لا يقدم العروي دراسة منهجية مفصلة، مقسماً إياها الى فصول، يحوي كل جزء منها على جواب يكمل الفرضية التي تعقبه، لكنه يقوم بتعريف بعض المفاهيم، منها ما يتعلق بالحقل السياسي، والاجتماعي، ومنها ما يتخذ طابعاً تربوياً، مقارناً تطور العدّة المفهومية التي عمل عليها، بأسلوب يُشعر القارئ بانسياب المعاني ومدلولاتها من جهة، وبرشاقة التوليف اللغوي من جهة أخرى. يسعى العروي في ديوانه الذي يقترب الى حد ما من القاموس السياسي، الى إظهار أبرز المؤشرات التي تعرقل نشوء الديموقراطية في العالم العربي، وعبر استشهاده المتكرر بخلاصات العلاّمة ابن خلدون، المنظِّر لخروج العرب عن ربقة الحكم وعدم انقيادهم للسياسة ، يعمد الى استخدام الحقل المفهومي الخلدوني، لتبيان عوامل تعثر الحداثة السياسي، في منظومة شبه قبلية غير قادرة على مواكبة ما يجري خارج مجالها الجغرافي.
يستهل العروي، مجادلته، في التفريق الابستمولوجي بين المُلك والدولة. فالمُلك، المرتبط بالملكية، ينتج دولة الواحد، القائمة على الاستبداد وتغييب المعارضة والعامة عن المشاركة في القرار؛ والدولة، هي من التداول السلمي على السلطة، فأين تندرج الأنظمة العربية، وفقاً للتعريفين؟ نشوء الدولة الديموقراطية، بمعناها الحديث، ما زال يشكل معضلة المعضلات في مجتماعتنا، فالقيادات الحاكمة، والنخب التي بدأت تتبلور منذ أن طرح شكيب ارسلان سؤاله الشهير لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ ما استطاعت تحقيق الغاية المنشودة، ونعني تأسيس الدولة، التي هي عقل الجماعة، في بيئة لا تقيم اعتباراً للحريات وحقوق الانسان والفردية؛ والمسألة تتخطى ذلك، وتجد جذورها في ثقافتنا، وإرثنا الاجتماعي، وهنا ينتقد العروي ما أسماه "التربية النظامية التقليدية في مجتمعاتنا" وما نسجته من إسقاطات تاريخية تمنع الجماعات شبه المنتظمة من الثورة على التقليد.
يحيلنا العروي في ديوانه الى مفهوم المستبد العادل في الإسلام، الذي طرحه الكثيرون من رواد الحركة الإصلاحية من بينهم جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده؛ والمفهوم نفسه، يشكل مادة خصبة للأزمات التي يعاني منها هذا الواقع، العاجز عن تحديث بناه المجتمعية، بفعل سطوة القبلية. وإذ نطرح على أنفسنا وعلى العروي، لماذا صاغ هؤلاء هذه التخريجة؟ وهل يمكن الجمع بين الاستبداد والعدل؟ وهل نجد له مقابلاً من حيث المعنى في الحقل الدلالي السياسي عند الحضارات الأخرى ونعني الحضارة اليونانية، التي تأثر، واقتبس عنها الغرب مجمل فلسفته واتجاهاته الفكرية وعمل على تطويرها؟ البحث عن المفهوم، تقابله، المَلكية، فالتصنيف الذي وضعه أرسطو لأشكال النظم السياسية، يميز بين الملكية، أي حكم الواحد؛ والاستقراطية، أي حكم القلة؛ والديموقراطية، أي حكم الشعب أو الكثرة؛ أما المُلك في المعاجم العربية، يتعدى التصنيف الأرسطوي، فأبو البقاء الكفوي، يعرّفه بالقدرة على التصرف الشرعي، وهو تعظيم المالك، والمُلك عنده، هو القدرة الحسية العامة لما يُملك شرعاً ولما لا يُملك، وهو التسلط على من تتأتى منه الطاعة. لكن المشكلة لا تتعلق فقط في متعلقات الحقل الدلالي السياسي العربي، فتاريخ الدولة عندنا مع اختلاف تسمياتها بين الإمارة والخلافة والجمهورية، يبرهن على اقتران الحكم بالغلبة والقهر والاستبداد، فصحيح أن هذا التأرجح السلطوي "الذي نعيش في ظله منذ أجيال ليس خاصاً بنا" كما يؤكد العروي، بمعنى أن الشعوب الأخرى مرت بالدورات نفسها، لكن السؤال الأساسي لماذا تعثر قيام الدولة الحديثة في مجالنا العربي طوال هذه المرحلة من الزمن؟
لا يقدم الكاتب جواباً شافياً على تساؤلنا، رغم ملامسته الطفيفة للسؤال المطروح؛ وصحيح أن أوروبا التي عاشت أزمنتها القروسطية، وخبرتها، وخرجت منها بعد التدشين لفلسفة الأنوار التي خاضتها نخبتها، فقادت تدريجياً الى بناء الدولة، أو سياسة العقل، إثر طفرة علمية وصناعية، غير أن المهدِّدات البنيوية في الحاضرة العربية تبدو أشد تجذراً، وما برحت تتصدى لقيام الدولة، أي دولة الديموقراطية، التي يشدد العروي عليها، لأسباب داخلية شديدة الترابط، أولها، أزمة الأنظمة السياسية، ثانيها، تحوّل النظام الجمهوري كأنموذج غربي معدّل نحو التوريث، ثالثها، غياب الانتلجنسيا العربية، رابعها، تذويب الطبقى الوسطى، خامسها، تفاقم الأزمات الاقتصادية على إيقاع العلاقة الملتبسة بين دولة الرعاية والجماعات، سادسها، سطوة القبلية والطائفية. العوامل المذكورة لو عالجها العروي بالاسلوب ذاته الذي تطرق فيه، الى تعريف مصطلحاته في التولد والاستتباع، التأويل السلفي، الديموقراطية المحلية وغيرها الكثير، لأضفى مزيداً من الغنى القاموسي على ديوانه، بسبب تداخل التعريفات وتلاحقها، التي تبرهن على حقيقة مفادها، أن غياب الدولة لا يفضي إلاّ لاتساع رقعة العنف السياسي، وحضورها بالمعنى المؤسساتي يسهم في توسيع دائرة التعددية والديموقراطية، ويؤدي الى تدبير الجماعات ونظمها، وليس توهيم العامة، والتعامل معها وفق رؤية دهماوية، وهي الشريحة التي وصفها كارل ماركس بالبروليتاريا الرثّة أو بقاع المجتمع.
[ الكتاب: من ديوان السياسة
[ الكاتب: عبدالله العروي
[ الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت 2009
"المستقبل"




















