تعيين الجنرال ديفيد بترايوس قائداً للقوات الاميركية في افغانستان خلفاً للجنرال ستانلي ماكريستال الذي اقاله الرئيس باراك اوباما بسبب انتقاداته واستخفافه بالمسؤولين المدنيين الكبار، لا يلغي حقيقة ان الجنرال الجديد لن يحل، على الاقل في المستقبل المنظور، المعضلة القديمة التي يواجهها اوباما في افغانستان: تحقيق النجاح خلال "النافذة" الزمنية القصيرة التي حددها الرئيس الاميركي. هذا هو التقويم السائد في الاوساط السياسية والامنية في واشنطن. تعيين بترايوس نجح في احتواء الاضرار التي كانت ستلحق باوباما لو انه عين جنرالا آخر، او لو ابقى ماكريستال في منصبه، لكن ازمة الجنرال الفالت من عقاله، ركزت الاهتمام وبشكل ملح على ما يعتبره الكثيرون معضلة التناقضات الصعبة التي تعاني منها استراتيجية اوباما في افغانستان.
ويقول الصحافي والمعلق الامني جيمس غوردون ميك لـ"النهار" ان هذه الناحية التي كانت بارزة في مقال مجلة "رولينغ ستون" ضاعت في الضجيج الذي اثارته الانتقادات التهكمية والمهينة التي اطلقها ماكريستال وضباطه ضد المسؤولين السياسيين. ويضيف ان فرص نجاح الولايات المتحدة في افغانستان " لا تزال صعبة للغاية، وبترايوس يدرك ذلك ربما أكثر من غيره". ويشير الى ان بترايوس نفسه اقر بذلك قبل اكثر من اسبوع خلال جلسة استماع في الكونغرس حين قال ان الانتصار في أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة قد يكون " أصعب من العراق".
وتقاتل القوات الاميركية والحليفة لها في افغانستان منذ تسع سنين. وفي الاشهر والاسابيع الماضية اتسم القتال بضراوة نوعية حيث سقط لاميركا وحلفائها خلال الشهر الجاري 76 قتيلا. وكان وزير الدفاع روبرت غيتس أقر بعد اقالة ماكريستال بأن "الاندفاعة" العسكرية في افغانستان كانت اصعب مما كان متوقعا، وتسير ببطء لم تتوقعه وزارة الدفاع. وفي رأي عدد من المراقبين ان الولايات المتحدة، حيث تعارض اكثرية الشعب الاميركي استمرار الحرب، لن تواصل دفع ثمن باهظ بشريا وماديا لتمويل حرب طويلة يقتضي النجاح فيها القيام بعملية " بناء دولة" في بلاد لم تكن في أي وقت مضى دولة مركزية قوية او موحدة.
ويرى ميك ان استراتيجية "مكافحة التمرد" التي اعتمدها ماكريستال في افغانستان، والتي لعب بترايوس دورا رئيسيا في صوغها مستفيدا من خبرته في العراق، يجب ان تكون مبنية على المعطيات المحلية وعلى فهم للظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية على الارض من اجل كسب "عقول وقلوب" السكان وتوفير الحماية الامنية لهم، كمقدمة لتوفير الخدمات المدنية المتنوعة التي يفترض في الحكومة واجهزتها بالتعاون مع المنظمات الدولية توفيرها لهم. هذا المزيج من الاجراءات العسكرية والمدنية يقتضي زمنا طويلا وتنسيقا وثيقا ومستداماً بين الشقين الامني والسياسي. وحتى الان لم تصل الى افغانستان جميع القوات التي أمر اوباما بنشرها هناك (ماكريستال طلب 40 الف جندي، لكن اوباما وافق على 30 الفاً)، ومن المتوقع ان تصل جميع الوحدات في ايلول المقبل. واذا اصر اوباما على جدوله الزمني للبدء بسحب ولو عدداً ضئيلاً من القوات في تموز 2011، فان هذا يعني ان امام بترايوس 10 اشهر فقط لاستخدام جميع هذه القوات لتحقيق أكبر قدر ممكن من النجاح في ظروف صعبة للغاية، ووفقا لاستراتيجية تتطلب وقتا طويلا. قد يكون بترايوس جنرالا متميزا، ولكنه ليس ساحرا او صانع اعجوبات، كما يقول ميك وغيره من المراقبين.
وفي الاسابيع الاخيرة، اكتشف ماكريستال وضباطه محدودية استراتيجية "مكافحة التمرد" عندما تبين لهم ان الانتصار العسكري الذي حققوه في شباط واذار الماضيين في الحملة العسكرية التي اخرجت قوات "طالبان" من بلدة مرجاه، قد بدأ بالتبخر إذ بدأ عناصر "طالبان" بالعودة الى المنطقة وتحدي القوات الدولية، لان الحكومة المركزية في كابول اخفقت في تحقيق الشق السياسي – الاقتصادي الضروري لنجاح هذه الاستراتيجية. وغياب المؤسسات الحكومية وخدماتها ووجود سلطة مدنية فعالة على الارض وضع مارجاه من جديد هدفاً متنازعاً عليه بين القوات الدولية و"طالبان". هذه النكسة في مارجاه كانت من الاسباب التي أخرت العملية العسكرية في قندهار. وهناك تخوف كبير في الاوساط العسكرية الاميركية من ان أي نجاح عسكري يمكن ان يتحقق في قندهار قد يتعرض للانهيار بسبب عجز او تردد حكومة الرئيس حميد كرزاي في اقامة وجود مؤسساتي ومدني فاعل في هذه المدينة المحورية.
الجنرال الوحيد
صحيح ان اوباما تصرف بحنكة وبحكمة وبحزم عندما اختار بترايوس الجنرال الامثل والاقوى والذي يمكن ان يحصن مناعته ضد أي انتقادات جمهورية او من الجناح اليساري في حزبه الديموقراطي، لكن اوباما صار مرهونا ايضاً للجنرال الوحيد (الذي وصفه احد المعلقين بالحبر الاعظم الحقيقي لسياسة مكافحة التمرد) والذي لن يكون من السهل على الرئيس الاميركي مستقبلاً ان يرفض أي طلب يتقدم به مثل زيادة عديد القوات، او استخدام عملية مراجعة الوضع في افغانستان المقررة في كانون الاول المقبل لاعادة النظر في استراتيجية اوباما بهدف تطويرها او تعديلها، او تأجيل او تأخير موعد بدء سحب القوات في تموز 2011، الذي حدده اوباما. وآخر ما يريده اوباما هو خوض معركته الانتخابية لتجديد ولايته في انتخابات 2012 وهو لا يزال يخوض حربا دموية (ستكون آنذاك في سنتها الحادية عشرة) لا نهاية قريبة لها، ولا يمكنه ان يدعي ان اميركا "تنتصر" فيها كما كان البيت الابيض خلال ولاية الديموقراطي ليندون جونسون والجمهوري ريتشارد نيكسون يدعي خلال الحرب الطويلة في فيتنام.
صحيح ايضا ان بترايوس مطلّع بحكم منصبه قائداً للقيادة المركزية التي تشرف على حربي العراق وافغانستان، لكن تعيينه في منصبه الجديد يعني انه سيجلب معه فريقا جديدا من الضباط ليساعدوه في مهمته الجديدة، كما ان عليه ان يتعرف وبشكل مباشر أكثر على الوضع الميداني على الارض، وعلى بعض القيادات المدنية الافغانية، وكل ذلك سيتطلب بعض الوقت، الامر الذي يمكن ان يؤخر بعض العمليات العسكرية، وربما الحملة التي كان يحضر لها ماكريستال لاحكام السيطرة على مدينة قندهار ومحيطها وطرد عناصر "طالبان" منها والتي اضطر الى تأجيلها اخيرا قبل اقالته بسبب تدهور الوضع الامني في اعقاب ازدياد هجمات "طالبان".
وهذا يناقض ما قاله الرئيس اوباما من ان تعيين بترايوس لن يؤخر وتيرة العمليات العسكرية. وثمة تحديات في افغانستان لا يمكن حلها عسكريا، منها وجود حكومة في كابول يتفشى فيها الفساد والمحسوبية، حيث ترى ادارة اوباما نفسها مرغمة على التعاون مع الرئيس كرزاي وهي تدرك تماماً ضعفه السياسي وفساد ادارته. وحتى الان لا يزال بعض المسؤولين في الادارة الاميركية يتساءلون عما اذا كانت باكستان هي شريك حقيقي لاميركا في هذه الحرب ام انها جزء كبير من المشكلة. ويعتبر تعاون باكستان الصادق في مكافحة عناصر "القاعدة" الناشطة في اراضيها، الى مكافحة عناصر "طالبان الباكستانية"، امراً جوهريا لنجاح الولايات المتحدة في هذه الحرب.
حتى الان يواصل اوباما مقاومة الضغوط المفروضة عليه من داخل حزبه ومن الجمهوريين بان يستخدم اقالة ماكريستال فرصة لاعادة نفض فريقه السياسي كما يطالب بعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ ومن بينهم السناتور والمرشح الرئاسي السابق جون ماكين والتخلص من المبعوث الخاص الى أفغانستان وباكستان ريتشارد هولبروك والسفير الاميركي في كابول كارل ايكينبيري. دعاة مثل هذا التغيير يريدون احياء الشركة القديمة العسكرية – السياسية بين الجنرال بترايوس والسفير الاميركي السابق في بغداد ريان كروكر المسؤولة عن "الاندفاعة" العسكرية والتدابير السياسية التي اتخذها هذا الثنائي بدءا من 2007 والتي ادت الى تحسين الوضع الامني بشكل ملحوظ في العراق. ويدعو هؤلاء الى محاولة اقناع كروكر بالانسحاب من حياته الاكاديمية الجديدة في تكساس، والعودة للعمل مع بترايوس في كابول.
التوقيت السيئ
وجاءت ازمة ماكريستال في أسوأ وقت للرئيس اوباما، الذي ينوء تحت وطأة تحديات داخلية وخارجية لا يمكن حلها بسهولة او بسرعة. وهناك بوادر "تمرد" في اوساط اليسار في الحزب الديموقراطي في الكونغرس وخارجه إذ يطالب هؤلاء بان يستخدم اوباما الازمة التي فجرها ماكريستال لاعادة النظر في استراتيجيته لجهة التعجيل بالانسحاب. وفي هذا السياق بعث 30 عضواً ديموقراطياً في مجلس النواب برسالة الى رئيسة المجلس نانسي بيلوسي طلبوا منها عدم مصادقة المجلس على اقرار 30 مليار دولار للانفاق العسكري في افغانستان الا بعد الحصول على تفسير كامل، ليس فقط لما احاط بازمة ماكريستال، ولكن لمناقشة ما يشاع عن احتمال تراجع اوباما عن قراره بدء سحب القوات في تموز 2011.
والى افغانستان وشجونها، لا تزال الولايات المتحدة تعاني نسبة بطالة عالية تقترب من 10 في المئة، حيث يواصل الاقتصاد الاميركي خروجه البطيء والمتردد من أزمة اقتصادية ومالية تاريخية، من المتوقع ان تؤدي الى الحاق خسائر انتخابية بالحزب الديموقراطي في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل. وادت ازمة او مأساة تدفق النفط في خليج المكسيك بمضاعفاتها البيئية والاقتصادية الهائلة، وازدياد احباط المواطنين وخصوصا في الولايات التي اصيبت باضرار بيئية واقتصادية كبيرة، الى الحاق اضرار جديدة بالرئيس اوباما وبمكانته وقيادته، ولاسيما في اعقاب الانطباع السائد في البلاد بانه تأخر في ادراك ضخامة الكارثة، وبان ادارته لم تتخذ الاجراءات السريعة والحاسمة لاحتواء الكارثة او معاقبة شركة "بريتيش بتروليوم" المسؤولة عن التدفق. وقبل ايام اظهر استطلاع لشبكة "أن بي سي" للتلفزيون وصحيفة "الوول ستريت جورنال" للمرة الاولى ان نسبة الاميركيين التي لا توافق على اداء اوباما في منصبه (48 في المئة) زادت عن نسبة الذين يوافقون على ذلك (45 في المئة). واظهر الاستطلاع ان 62 في المئة من الاميركيين يعتقدون ان البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ.
بعد 17 شهراً من وجوده في البيت الابيض، يجد اوباما نفسه وهو يشرف على حرب لا نهاية قريبة لها يعارضها الاميركيون، ويحاول الحلفاء الانسحاب منها، وعلى اقتصاد لا يزال يجاهد للخروج من ركوده، وعلى بلاد تزداد فيها الانقسامات السياسية مرارة وحدّة. كما يجد نفسه معزولا عن بعض القوى في حزبه، وعن عدد متزايد من الاميركيين الذين يشككون في قدراته القيادية على حل الازمات الخارجية والمشاكل الداخلية.
واشنطن – من هشام ملحم
"النهار"




















