انضم امس زعماء الدول الثماني إلى نظرائهم من دول مجموعة العشرين ذات الاقتصادات الصاعدة في القمة التي بدأت اعمالها بمدينة تورونتو في كندا، والتي يتصدر جدول أعمالها الأزمة المالية العالمية وإصلاح الأنظمة المصرفية، الى المسائل السياسية الاساسية وفي مقدمها الحصار الاسرائيلي لقطاع غزة الذي طالبت مجموعة الثماني برفعه، والازمتين الايرانية والكورية الشمالية.
وتواجه الدول الغنية والناشئة في مجموعة العشرين، في محادثاتها التي تستمر اليوم، مناقشات حادة حول موضوعين شائكين هما ضبط قطاع المال وفرض رسوم عليه.
وبين دول ذات انظمة مالية مختلفة جدا لكنها التزمت تعهدات طموحة خلال قمتها السابقة في بيتسبرغ في الولايات المتحدة، سيكون موضوع اجتماعات تورونتو محصوراً فقط في المحافظة على الوحدة. الا ان كندا الدولة المضيفة للقمتين، لفتت الى غياب وجود اتفاق بين دول مجموعة الثماني في شأن إحداث رسم على المصارف، مشيرة في الوقت عينه الى ان كل دولة ستبقى حرة في إحداث هذا الرسم وتطبيقه او لا. واكد ابرز مفاوض كندي في مجموعة الثماني لن ادواردز في مؤتمر صحافي انه "لم يتم التوصل الى اتفاق حول رسم مصرفي شامل".
وفي المقابل، بدا ان كل دولة بقيت "حرة التصرف كما تشاء"، على غرار فرنسا والمانيا او بريطانيا التي تؤيد استحداث مثل هذا الرسم.
ومجموعة العشرين التي كانت كلفت صندوق النقد الدولي تقديم مقترحاته في هذا الشأن، انقسمت اخيرا حول جدوى فرض مثل هذا الرسم والطريقة التي ينبغي ان يعتمدها القطاع المالي "لضمان مساهمة عادلة وجوهرية تحمله على دفع الكلفة الناجمة عن عمليات تدخل الدول لاصلاح النظام المصرفي"، وهذه هي نقطة الانطلاق. لكن "لا دليل على ان فرض هذا الرسم ضروري في كل الدول"، كما اوضح عضو الوفد الروسي اندره بوكاريف الجمعة في تورونتو.
وثمة دول عدة تنتهج الخط نفسه، مثل شركاء موسكو في مجموعة الدول الناشئة (البرازيل وروسيا والهند والصين) والدولة الكندية المضيفة او حتى اوستراليا. وتعتبر هذه الدول انها ليست في حاجة الى اثارة الاضطراب في الرقابة على مصارفها ولا في معاقبتها من طريق فرض ضريبة محددة.
وامضى الاوروبيون الايام التي سبقت قمة تورونتو في التشديد على تأييد فرض هذا الرسم. وتامل المانيا وفرنسا وبريطانيا في ان تكون هي المثال في هذا الاطار.
اما الولايات المتحدة التي كانت بين مشجعي الفكرة، فلم تعد تتحدث عن الامر. ففي واشنطن، بات على الكونغرس البحث في مسألة هذا الرسم اثناء مناقشة بنود موازنة 2010/2011 هذا الصيف.
ووصل الرئيس باراك اوباما الى كندا وفي جعبته تسوية توصل اليها نواب بلاده في شأن اصلاح عملية الضبط المالي الاكثر طموحا لدى مجموعة العشرين التي لم تحمل الكثير الى تورونتو. فالمحادثات بين المصارف المركزية وهيئات الضبط المالي للقواعد الجديدة للصناديق الخاصة تتطلب وقتا. والتعهد بوضع حد "لحالات الافراط" في المالية التي دفعت للوقوع في الانكماش، واجه صعوبة في ايجاد ترجمة ملموسة على الارض.
وقال مصدر في مجموعة العشرين إن بيان المجموعة سيركز على الاقتصاد والتنظيم المالي واصلاح المؤسسات الدولية، ولن يتضمن توصيات لكل دولة على حدة. واضاف إنه سيكون هناك اتفاق عام على خفض مستويات العجز، لكن الدول تستطيع العمل بالايقاع الذي يناسبها مما يسمح لدول مثل الولايات المتحدة بابقاء اجراءات التحفيز.
احتجاجات
وتجمع نحو ألفي محتج في تورونتو في اكبر تجمع حتى الان ضد اجتماع قمة مجموعة العشرين، مواجهين الشرطة على مسافة امتار فقط من القنصلية الاميركية.
ونظم ناشطون وجماعات عمالية ومحتجون آخرون يطالبون مجموعة العشرين ببذل المزيد لمكافحة الفقر، مسيرة في شوارع وسط تورونتو، لكن الشرطة قطعت الطريق عليهم لدى اقترابهم من المنطقة الامنية التي اقامتها السلطات حول مكان انعقاد القمة.
ووعدت جماعات غير حكومية بتنظيم احتجاجات سلمية خلال القمة، ساعية الى تسليط الضوء على مجموعة من القضايا، من بينها الفقر العالمي وحقوق المرأة والعمال.
ويذكر ان الاجتماعات السابقة لمجموعة العشرين اجتذبت جماعات عنيفة مصممة على تعطيل الاجتماعات او الاشتباك مع الشرطة. ونبهت وزارة الخارجية الاميركية الاميركيين الى ضرورة تجنب وسط تورونتو اثناء انعقاد القمة.
مجموعة الثماني
والى القضايا الاقتصادية الاساسية، ركزت مجموعة الثماني في اجتماعها الذي انتهى قبيل افتتاح قمة العشرين، على جملة مشكلات سياسية في مقدمها الصراع في الشرق الاوسط وايران وافغانستان وكوريا الشمالية.
واقتصادياً، حذر قادة الدول الثماني الاغنى في العالم من ان الانتعاش الاقتصادي الشامل لا يزال "هشا"، وان الازمة الاقتصادية اعاقت بعض اهداف الالفية. وجاء في بيانهم الختامي: "في ما يتعلق بالتنمية، فان عقداً من التعهدات الملموسة والجهود المشتركة مع شركائنا اتاح تسجيل تقدم كبير على طريق اهداف الالفية للتنمية (…) لكن ينبغي على الدول المتقدمة والدول النامية كذلك ان تقوم بالمزيد ايضاً. وفعلا، فان الازمة اعاقت الخطوات التي تم تسجيلها بشأن بعض الاهداف لسنة 2015". واضافوا "ان تجديد التعهدات ضروري من هذا الجانب وذاك".
والى خفض الفقر المدقع الى النصف في العالم من الآن وحتى 2015، تتضمن اهداف الالفية للتنمية المحددة عام 2000، ضمان التعليم الابتدائي للجميع وتشجيع المساواة بين الجنسين وخفض معدل الوفيات لدى الاطفال وتحسين صحة الام ومكافحة الايدز والملاريا وغيرها من الامراض والمحافظة على البيئة واقامة شركة عالمية للتنمية.
واعلنت القمة عن مساهمات تصل قيمتها الاجمالية الى خمسة مليارات دولار تخصص لتعزيز صحة الام والطفل في الدول النامية. ودعمت اوتاوا بقوة تشكيل هذا الصندوق الذي اطلق عليه اسم "مبادرة موسكوكا" تيمنا بالمنطقة الكندية التي تعقد فيها قمة مجموعة الثماني، غير ان منظمات غير حكومية عدة نددت فورا بالمبلغ الذي خصص له.
حصار غزة
واعتبرت القمة ان الحصار الاسرائيلي المفروض على قطاع غزة "لا يمكن ان يستمر" بشكله الحالي و"يجب ان يتغير" لاتاحة ايصال المزيد من المساعدات الى سكانه الفلسطينيين. وحضت "بالحاح كل الاطراف على العمل معا لتطبيق قرار مجلس الامن الرقم 1860 وضمان المساعدات الانسانية وحركة السلع التجارية والافراد من والى غزة". واضافت ان "الترتيبات الحالية لا يمكن ان تستمر ويجب ان تتغير"، مرحبة ايضا بقرار الحكومة الاسرائيلية تخفيف الحظر الذي تفرضه على دخول السلع الى القطاع. وعبّر القادة عن "اسفهم الشديد لخسارة الارواح والاصابات خلال الاحداث التي وقعت في 31 ايار امام سواحل غزة" في الهجوم الاسرائيلي على اسطول المساعدات الدولية الذي كان متجهاً الى غزة وقتل خلاله تسعة مدنيين اتراك. لكنهم اشادوا بقرار الحكومة الاسرائيلية تأليف لجنة عامة مستقلة للتحقيق في هذا الهجوم بمشاركة دولية.
ايران وكوريا
ودعا القادة ايران الى "حوار شفاف" حول برنامجها النووي والى احترام "دولة القانون" و"حرية التعبير". وشددوا على ان "هدفنا هو اقناع المسؤولين الايرانيين بالالتزام بحوار شفاف حول النشاطات النووية في بلادهم واحترام التزامات ايران الدولية"، مطالبين "كل الدول بتطبيق "العقوبات الجديدة التي صادق عليها مجلس الامن في حزيران بحق طهران". واضافوا في بيانهم انه "مع الاعتراف لايران بحقها في برنامج نووي مدني (…) فاننا نعرب عن قلقنا الشديد لانعدام الشفافية في ايران في شأن نشاطاتها النووية ولنيتها المعلنة مواصلة وتطوير تخصيب الاورانيوم بما في ذلك بنسبة 20 في المئة".
كذلك ندد القادة بكوريا الشمالية المتهمة باغراق بارجة "شيونان" الكورية الجنوبية في اذار الماضي. وذكّر بيانهم بـ "ان مجموعة التحقيق المشتركة المدنية والعسكرية باشراف جمهورية كوريا وبمشاركة خبراء اجانب خلصت الى تحميل جمهورية كوريا الشعبية الديموقراطية المسؤولية عن غرق شيونان". واضاف: "امام هذه المعطيات ندين الهجوم الذي ادى الى غرق شيونان ونحض جمهورية كوريا الشعبية الديموقراطية على الامتناع عن شن اي هجوم او القيام باي عمل عدائي ضد جمهورية كوريا" الجنوبية.
وعن الوضع في افغانستان، دعا القادة القوات الافغانية الى تحقيق تقدم ملموس "في غضون خمس سنوات" لتحمل المزيد من المسؤوليات لضمان امن البلاد.
واعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ان القمة التي ستعقدها مجموعة الثماني سنة 2011 ستكون "في موعد ما خلال الربيع" في مدينة نيس بجنوب شرق فرنسا.
و ص ف، رويترز، ي ب أ




















