لم يشأ الثمانية (الكبار) أن يبارحوا قمتهم في تورنتو التي كرسوها للبحث عن مخرج من أزمتهم الاقتصادية وعن حلول لخلافاتهم المتصاعدة ، قبل أن يعمدوا إلى تغطية شعورهم بالتناقض في المواقف تجاه القضايا والأزمات التي تجتاح العالم بسبب المغامرات الاقتصادية والعسكرية التي افتعلها هؤلاء القادة ، فجاءت تلك التغطية لتفضح أكثر التناقضات والتمايز والمفارقة المريرة بين القول والفعل ، فاشتمل بيانهم حول بؤر الصراع على مصطلحات مثل:
(ندعو ـ ندين ـ نحث) وهي ذات الصياغات التي يلجأون إليها كلما أرادوا تمييع قضية، وبدا الموقف في قمة تورنتو من حصار غزة أوضح دليل على التناقضات الحادة بين القول والفعل لدى الدول الكبرى ، أو التي تعتبر نفسها كذلك. فالعبارات التي تضمنها بيان قمة الثماني بشأن غزة يشبه إلى حد كبير تلك البيانات التي تنطلق على أثر كل عدوان إسرائيلي ليس على الفلسطينيين وحدهم وإنما على الشرعية الدولية وسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
وما علينا سوى مراجعة البيانات التي صدرت عقب العدوان على غزة بنهاية عام 2008 وبداية عام 2009 وتدمير لمقرات الأمم المتحدة ثم ما تلاه من تشديد الحصار على غزة واغتيال المبحوح في دبي واستخدام جوازات ووثائق ، تنتهك سيادة دول كبرى في العالم ، ثم أخيرا العدوان على (أساطيل) كسر الحصار عن غزة والتهديد بالعدوان على أي سفينة تقترب من شواطئ غزة مهما كانت جنسيتها أو جنسية المتواجدين على متنها.
هذه المراجعة ستثبت أن مواقف الدول الغربية من الملف الفلسطيني عموما وحصار غزة خصوصا يندرج ضمن الظواهر الكلامية.
فبيان مجموعة الثماني عن حصار إسرائيل لغزة جاء خاليا من أي تحديد أو إشارة إلى الجهة التي تنفذ الحصار وتضرب بالمواقف الدولية عرض الحائط وهي إسرائيل ، وكأن هناك تعليمات واضحة بعدم الاشارة إلى اسرائيل من قريب أو بعيد ، وامتثالا لـ(الأوامر) قال البيان الصادر عن قمة تورنتو: نحث بإلحاح (كل الاطراف) على العمل معا لتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1860 وضمان المساعدات الانسانية وحركة السلع والافراد من وإلى غزة ، ثم كالوا المديح بعد ذلك لإسرائيل بالاسم.
فمن هم (كل الأطراف) المعرقلون لتنفيذ قرار مجلس الأمن أو المتسببون في هذا الحصار الخانق على قطاع غزة ، هل هو تحالف دولي متنازع فيما بينه على تفسير النصوص أم دولة واحدة معروفة بالاسم وحرص (القادة الكبار) على تجنب ذكر اسمها مقرونا بالحصار الذي تنفذه وحدها.
على أية حال لا يضيف بيان (الكبار) شيئا فموقفهم المساند للعدوان الاسرائيلي في كل مراحله ليس بحاجة إلى أدلة إثبات. وسيبقى صمود الشعب الفلسطيني في وجه الاعتداءات والغطرسة في التعامل مع قضاياه قذى في أعين هؤلاء وأولئك ، فإنه هو المنصور رغم أنف الكبار والصغار.
الوطن




















