[ الكتاب: ديناميكية التجربة اليابانية في التنمية المركبة
[ الكاتب: ناصر يوسف
[ الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2010
لا يخفي الكاتب إعجابه الشديد بالتجربة اليابانية في التنمية الاقتصادية المعاصرة، حتى انه ينتقد من يضعها في "إطار معجزة لن تتكرر ابداً" بينما هي حقيقة لا مراء فيها نفذتها اليابان شعبا وحكومة وامبراطور، فالنهوض الاقتصادي السريع الذي شهده هذا البلد وجعل منه بعد الحرب النووية القوة الاقتصادية الثانية، في بعض المجالات الحيوية، واصبح القوة الاولى في مجالات اخرى اخرى مثل التكنولوجية والمهارات، هذا النهوض مرهون "بإنسان ناضج، وقيم فاعلة، وعمل مستمر، وعناء متواصل، وطموح غير محدود، وتضحية مثيرة، بإدخار عال، وقيادة حكيمة…". ومن العوامل الفاعلة، ايضا، في إنجاح التجربة اليابانية الإعتماد على استراتيجية مركبة من الاستثمار الاجتماعي بهدف انجاح الاسثمار المالي تختلف هذه الاستراتيجية بدرجات متفاوتة عن الاستثمار الفردي المتحيز كما هو الامر في الغرب. لقد اتخذ الاستثمار الاجتماعي في اليابان بعدا اقتصاديا فاعلا ساعد على التقدم التكنولودي ويقوم على ثلاثية انسانية هي: امبراطور تنازل عن صلاحياته من اجل انقاذ بلده، ورئيس وزراء حاور الاحتلال الاميركي واقنعه بمعاناة مواطنيه، وعمال لم يساوموا في وطنهم ولم يتفاوضوا مع القوات المحتلة على الاجور. ومن بين العوامل التي يركز عليها الكاتب كثيرا مفهوم "الاعتماد على الذات" الذي يصفه الكاتب بأنه اعظم انجاز حققته اليابان وانفردت به عن بقية الدول الاكثر تطورا. لقد تجلى هذا المفهوم بالتعاون بين إعتماد الدولة الانمائية على ذاتها في تطوير مواردها البشرية وبين دينامية الفاعل الانساني في توليد موارد مالية اسهمت في بناء منظومة تكنولوجية متميزة وكاسحة للأسواق العالمية.
ومن ميزات هذا المفهوم انه لم يكن منغلقا على نفسه بل كان في قمة النشاط الانساني بإنفتاحه على العالم الخارجي. واخيرا تمتاز التجربة اليابانية بالعناصر الثلاثة التالية: الحرية والاختيار والمراجعة، التي تُعد بمثابة الاقطاب الرئيسية التي بها الى العالمية.
يتطرق الكاتب الى مفهوم التنمية الاقتصادية من منظور اسلامي فيرى ان الاشتراكية والرأسمالية وقعتا في خطأالتعامل مع الانسان، فالاولى اهملت حضوره البيولوجي والثامية رفضت اصله الاجتماعي، لذا حاول المنظرون الاسلاميون في مجال التنمية الاقتصادية تلافيها، لأن الوعي السليم بأهمية الانسان على المستويين البيولوجي والاجتماعي، المعنوي والمادي، اي تلبية حاجات الانسان الروحية الى جانب الحاجات الاخرى هو هدف التنمية الاقتصادية الصحيحة، وهكذا يصبح ممكنا اهداد الانسان الصالح وبناء المجتع السليم، ويعدد الكاتب اهم محددات هدف التنمية الاسلامية في الميدان الاقتصادي على الشكل التالي: تقوى الله، واحترام الانسان، واتقان العمل، ومراعاة الملكية الخاصة، وترشيد الانفاق، والزكاة، وتحريم الربا، وحيازة التكنولوجيا…، ومن ميزات هذه التنمية ايجاد استراتيجية التوافق بين ما هو روحي واخلاقي وانساني وحقيقي، من جهة، وما هو مادي وشيئي وواقعي من جهة اخرى للوصول الى استراتيجة عامة تتطلب اعتدلا في الاستهلاك واتقانا في النتاج وعدالة في التوزيع.
بعد ذلك ينتقل الكاتب لإجراء مقارنة بين التجربة التنموية الجزائرية مع تلك اليابانية وهدف من وراء ذلك تبيان الاثر السلبي لدور الفاعل الانساني المغيب في التجارب الانمائية ذات البعد العربي والاسلامي الانساني، مع ان هذا الفاعل موجود بقوة في تجربتي اليابان وماليزيا، وتجربة هذه الاخيرة ستكون مدار مقارنة مع تجربة اليلبان. والاسباب الكامنة وراء اختيار المقارنة في مجال التنمية الاقتصادية بين اليابان وكل من تجربتي الجزائر وماليزيا هي ايديولوجية وانمائية. فالجزائر عُدت في سبعينيات القرن الماضي "يابان افريقيا" بإعتبارها الاكثر تقدما في الميدان الاقتصادي في الوطن العربي وتزامنا مع التقدم الهائل الذي كانت تشهده اليابان اقتصاديا وتكنولوجيا، والجزائر تنتمي الى الدائرة الاسلامية العربية القومية؛ ام ماليزيا فتنتمي الى الدائرة الاسلامية الملاوية الآسيوية الكونفوشيوسية. لقد اتجهت الجزائرفي الاطار الانمائي في اتجاهين: الاول شرقي نحو الاتحاد السوفياتي، والثاني قومي، اي ممارسة الاداء الاقتصادي في اطاره القومي والوحدوي؛ وسلكت ماليزيا، ايضا، اتجاهين: الاول شرقي نحو اليابان والثاني اسلامي، اي ممارسة التنمية الاقتصادية في اطارها الاسلامي.
وبعد استعراض المراحل التي مر بها كل من هذين البلدين سياسيا واقتصاديا، ومع مراعاة الموقع الجغرافي لكل منهما واختلاف المحيط، والخطط الاقتصادية التنموية التي طبقها كل من النظامين السياسيين والاختلافات التي برزت في تعاطي كلا من النظامين مع هذه المؤثرات جميها ليقارنها مع الاسس التي قامت عليها التجربة الاقتصادية التنموية في اليابان يخلص الى النتيجة التالية: عانت الجزائر من عدم استقرار سياسي واهملت القطاع الزراعي، الى جانب تأثير انهيار الاتحاد السوفياتي على العملية التنموية، وان التيار القومي لم يوظف انمائيا لذا "يتعذر علينا الحكم على نتائج القومية انمائيا". في حين ان ماليزيا قامت بتجربة اقتصادية تنموية ناجحة وساعدها في ذلك: استقرار سياسي، قيادة سياسية حكيمة تتعامل مع الانسان بإعتباره القيمة الاولى لنجاح مشاريع التنمية، واتخاذ هذه القيادة من شعار النمو، لجمبع القطاعات وفي طليعتها الزراعي، والتحديث والتصنيع طريقا الى بناء المستقبل الاقتصادي… وهكذا تتماثل التجربة الماليزية مع الاسس التي قامت عليها التجربة اليابانية.
مراجعة: عفيف رزق
"المستقبل"




















