على رغم التوافق بين القوى السياسية اللبنانية على ترك اغتيال الرئيس رفيق الحريري للمحكمة الدولية الخاصة، إلا أن البعض يصرّ على دفنها قبل إعلان قرارها الظني.
ما لم يعلن من التوافق المذكور، لكن أوضحته مآلات السياسة وانتقالات السياسيين، أن الجهات اللبنانية التي عبأت جماهير عريضة تحت شعار «الحقيقة» اقتنعت، بالقوة وبالكلمة، أن ثمن المحكمة الخاصة قد يكون أكبر من أن تحتمله هي أو يحتمله لبنان. طويت صفحة المحكمة بعدما تبين أيضاً أن التحالف الساعي إلى «الحقيقة» لا يريدها كاملة بكل تفاصيلها التي لا تستثني أحداً من سياطها ومراراتها. ويبدو أن الوقت أزف لانتزاع الصفحة تلك من الحوليات اللبنانية.
جاء اعتقال موظف في شركة اتصالات بتهمة التجسس لإسرائيل ونقل معلومات حساسة إليها، ليسدي خدمة ثمينة لدعاة الإسراع في وأد المحكمة الخاصة. ولا ريب في أن اعتقال أي عميل إسرائيل يوفر على اللبنانيين الكثير من الدمار في حال شنت إسرائيل عدواناً جديداً، لكن لا ريب أيضاً في أن اعتقال المتهم أطلق سلسلة محاولات ترمي إلى التأثير على التحقيق الدولي، أو على ما تبقى له من زخم وصدقية بعد الهجمات المركزة التي استهدفت لجنة التحقيق الدولية وآليات عملها. وليس إنكار نجاح الحملات تلك سوى مكابرة فارغة. فالمحكمة اليوم تكاد تكون في نظر شرائح واسعة من اللبنانيين مرادفاً للتهديد بدفع لبنان إلى أتون اقتتال أهلي جديد.
تقاطع خطى سير المتهم بالتجسس مع مسار التحقيق الدولي يستند إلى فكرة أن كل ما قامت به لجنة التحقيق يتأسس على اتصالات أجريت من مجموعة من الخطوط الهاتفية الخلوية. عقل بائس رسم التقاطع المذكور. فما قامت به لجنة التحقيق، بحسب التقارير الدورية التي كانت تصدرها في السنوات الماضية، يشمل التدقيق في الحمض النووي للانتحاري الذي قاد الشاحنة المفخخة التي فجرت موكب الحريري، وكيفية وصول الشاحنة إلى لبنان وطبيعة المواد المتفجرة والأسلوب الذي جمعت به العبوة الناسفة وعشرات العناصر التي توفرها التقنيات العلمية للتحقيق الجنائي، والتي لا تقتصر بحال على الاتصالات الهاتفية التي على التحقيق أن يثبت ضلوع الموقوف المذكور بالتلاعب بها لمصلحة إسرائيل.
وفي حال صح أن العميل قد ساهم، عبر التحكم بالاتصالات الخلوية، في حملة الاغتيالات التي عصفت بلبنان بين العامين 2005 و2008، تكون كل الاتهامات «السياسية» السابقة قد ألحقت الضرر بلبنان وزجت به في حال من العداء مع أشقاء وأصدقاء. لكن، في الوقت الحالي، قد يكون من الأجدى تكرار النصيحة التي كان يسارع بعض الفرقاء الى تردادها بعد كل اغتيال وهي «انتظار نتائج التحقيق وعدم الانجرار إلى اتهامات لا أساس لها».
بيد أن النصيحة هذه ستقع على آذان صماء لأن المحكمة الخاصة التي تعمل ببطء شديد وبقلة فاعلية أشد، لم يعد لها ما تفعل سوى تبرئة المشتبه بهم قبل أن تحال إلى التقاعد المبكر. أما شعارات «الحقيقة» و»العدالة» و»الوفاء لدماء الشهداء» فقد جرت التضحية بها، على رغم ما في هذه الحقيقة من قسوة، من أجل سلامة ما تبقى من بلد يتآكل في نيران الأحقاد والعداء الداخلي والخارجي، ويعيش كل يوم على أمل بألا يستيقظ في الغد على عدوان شامل.
"الحياة"




















