اشتعل الموقف مجددا بين قوات الأمن التركية وحزب العمال الكردستاني، بعد تنفيذ عمليات من قبل الحزب مؤخرا أدت إلى سقوط 50 جنديا تركيا على الأقل، وتسببت في رد فعل عسكري تركي تمثل في شن غارات مضادة، منها غارات جوية على شمالي العراق.
وجاء تفجر الموقف بعد عام تقريبا من إعلان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، أنه يعد خطة لإنهاء الحرب مع الأكراد التابعين لحزب العمال الكردستاني، والتي أدت إلى مقتل أكثر من 40 ألف شخص.
وجاء إعلان أردوغان في أغسطس 2009، بعد لقائه مع رئيس حزب المجتمع الديمقراطي، وهو الحزب الكردي الرئيسي في تركيا، حيث قال إن «الأمة التركية تحتاج إلى الوحدة، لا إلى المزيد من الدماء والقتل ونحيب الأمهات».
وكانت هذه هي المرة الأولى، التي تعد فيها حكومة تركية بإنهاء هذا النزاع بالسبل السلمية. وبعد هذه التصريحات، دارت التكهنات حول إنهاء حالة الحظر المفروضة على استخدام اللغة الكردية، وعلى عمل بعض المنظمات الخيرية والإنسانية، وحول فتح صفحة جديدة بين الدولة التركية والأكراد الذين يشكلون أكبر أقلية في البلاد.
لكن الحكومة لم تتقدم بأي خطة محددة، بل إن خبيرة تركية في الشأن الكردي، رأت أن «الخطة أسقطت فجأة بعد عودة أردوغان من واشنطن ولقائه بالرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي وضعه في صورة خطة الانسحاب العسكرية الأمريكية من العراق عام 2011»، وهو الأمر الذي زاد من الضغوط الإقليمية على تركيا.
على الجانب الآخر، هناك وجهة نظر ترى أن رئيس الوزراء التركي فشل في تسويق خطته لدى قيادات المؤسسة العسكرية التركية، وبالتالي قرر إرجاءها أو إلغاءها في الوقت الراهن، ما جعل المسألة الكردية التركية تدور مجددا في حلقة مفرغة من العنف والعنف المضاد، دون أي أفق للحل السياسي.
يؤكد هذه النظرة أنه بعد نحو شهر من مقترح رئيس الوزراء، أصدرت المحكمة الدستورية التركية حكما بحظر حزب المجتمع الديمقراطي، بسبب «علاقاته مع حزب العمال الكردستاني». وأدى هذا الحكم إلى حملة اعتقالات طالت مسؤولين أكراداً محليين. وهو ما أدى لعودة الأمور إلى ما كانت عليه؛ أي عودة الأكراد إلى مواقفهم السابقة من الحكومة، ودعا نائبا في البرلمان التركي عن حزب المجتمع الديمقراطي، إلى القول «إن المبادرة الديمقراطية انتهت».
ومما يؤكد، كذلك، أن رئيس الوزراء لم يستطع تسويق خطته، هو تراجعه عن مواقفه السابقة، حيث اعتمد في الأسابيع الأخيرة خطا متشددا ضد حزب العمال، ووصف بأنه تبنى مواقف الصقور عندما هدد بإغراق المتمردين بدمائهم، رغم تعبيره عن قناعته بأن المبادرة الديمقراطية هي السبيل الوحيد المتاح لحل النزاع.
وهناك رأي ثالث يرى أن مبادرة رئيس الوزراء التركي، لم تكن أكثر من مناورة سياسية تستهدف عزل المتطرفين في حزب العمال الكردستاني، حيث إن دخول الأكراد في العملية السياسية ومنحهم مزايا ثقافية، يمكن أن ينهي العنف تماما ويحرم الحزب من إمكانية تجنيد الشباب الغاضب في جنوب شرق الأناضول حيث يعيش الأكراد، وهو ما يؤدي في النهاية إلى عزل الجناح المتمرد الانفصالي داخل الأكراد، والمتمثل في حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل الحكومة منذ عام 1984.
وهناك دوافع أخرى تقف وراء محاولات حزب العدالة الحاكم في تركيا، البحث عن حل سياسي للمسألة الكردية، في مقدمتها بالطبع محاولات الحزب الجادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حيث تقف المسألة الكردية عائقا في تحقيق هذا الأمر، لسببين؛ الأول أن تركيا دون إعطاء حقوق ثقافية للأكراد، تكون مخالفة للمعايير الأوروبية لحقوق الإنسان، وهي أحد الشروط الواجب توافرها في أي دولة تنضم للاتحاد.
أما الأمر الثاني، وجود لوبي ضخم في الدول الأوروبية من منظمات حقوق الإنسان والأخرى الخاصة بحقوق الأقليات، ومن الأكراد الذين يعيشون في دول أوروبية، خاصة في فرنسا وألمانيا والنمسا، يضغط للحيلولة دون انضمام تركيا بسبب تضاعيف المسألة الكردية.
لذلك يسعى حزب العدالة والتنمية إلى البحث عن حل سياسي للمسألة الكردية، ولكن كلا من النخبة العلمانية والقومية، ترفض هذا التوجه وتسعى لإبطاله. يضاف إلى ذلك أن تركيا تريد أن تقوم بدور مركزي في منطقة الشرق الأوسط، بدت ملامحه في الأشهر الأخيرة، وهذا الأمر يتطلب أن تنهي مشكلاتها الداخلية وفي مقدمتها المسألة الكردية، لكي تركز على الدور الاقليمي، خاصة وأن لهذه المسألة امتدادات إقليمة تؤثر على علاقة تركيا بعدد من الدول المجاورة لها، مثل العراق وسوريا وإيران، التي توجد في كل منها أقلية كردية أو يوجد أكراد أتراك.
وهناك من ربط بين التصعيد الكردي الأخير وتداعيات الهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية، لكي يؤكد أن هناك أطرافا خارجية تستثمر المسألة الكردية، من أجل الحيلولة دون تعاظم الدور الإقليمي التركي في اتجاهات لا ترضى عنها تلك الأطراف. وهذا التحليل يعني أن المسألة الكردية التركية في طريقها إلى التصعيد، بالنظر إلى أن تنشيط الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط يبدو أنه أصبح خيارا استراتيجيا بالنسبة لتركيا، وليس سياسة وقتية.
ولا يمكن الفصل بين هذا التصعيد وبين محاولات قوى داخلية تركية التأثير على شعبية حزب العدالة والتنمية، خاصة في ظل الصراع الدائر حاليا حول تعديل الدستور، وفي ظل اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، مما يؤكد أن تركيا قد بدأت صيفا ساخنا على أكثر من صعيد.
كاتب مصري
ksrgany@hotmail.com
"البيان"




















