لعل أبلغ رد على ادعاء الرئيس جورج بوش بتحقيق إنجازات أميركية وعالمية خلال ثماني سنوات من عهديه، هو نجاح المرشح الديموقراطي باراك اوباما في الانتخابات الرئاسية وسط ميل واضح لقطاع واسع من الحزب الجمهوري إلى خيار آخر. السبب الرئيس هو سياسة بوش التي أحرجت حزبه، وأقلقت كثيراً من الأميركيين!
بوش قال في تقويم سياسته انه "يترك أساسات صلبة يستطيع الرؤساء المقبلون، والقادة العسكريون الأميركيون البناء عليها". هذا غير صحيح.
إنه يترك اقتصاداً متعباً، وامبراطورية هرمة تنوء تحت ثقل أكبر وأخطر أزمة مالية واقتصادية في هذا العصر. لقد تسلم مقاليد السلطة والدين العام لا يتجاوز خمسة تريليونات دولار، وسيغادر البيت الأبيض والدين العام يصل إلى أحد عشر تريليون دولار! وقد يزداد بفعل السياسات الاقتصادية الخاطئة، والحروب الوقائية والاستباقية بحجة مكافحة الإرهاب.
أما الإرهاب فقد تضاعف أربع مرات في العالم، قياساً بما كان عليه في 11 أيلول 2001. هكذا تقول مراكز البحوث والدراسات الأميركية. والسؤال المطروح: لماذا وقعت حربا افغانستان والعراق، والحال هذه؟
المحافظون في إدارة بوش، بزعامة ديك تشيني وبول ولفووفيتز زوّروا تقارير الاستخبارات الأميركية حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، واستبدلوا عبارة (ربما توجد أسلحة دمار شامل)، بعبارة (توجد أسلحة دمار شامل). هذا على سبيل المثال. وها هي حرب البيانات والتصريحات تستقر بين أركان هذه الإدارة المتهاوية.
ويتحدث الرئيس الأميركي على استعادة الحرية في العراق! صحيح ان عهد الرئيس السابق صدام حسين كان مأسوياً، وتميّز بالتسلط والديكتاتورية، ويمكن أن يُقال في هذا العهد كلام قاس أكثر من ذلك. بيد ان السؤال: هل تحسّنت أحوال العراق مع قتل مليون مدني عراقي بعد احتلال بغداد؟ وهل سرقة نفط العراق ومال العراق ينسجم مع شعارات حقوق الإنسان، بعدما صار الإنسان العراقي أسير الجوع، والأمن المهدّد، وسجون ابو غريب وغوانتانامو؟
أما افغانستان الواقعة تحت وطأة التهريب، تهريب المخدرات، في عهد السيطرة الأطلسية العسكرية والأمنية، واستعادة حركة "طالبان" سيطرتها على جزء واسع من بلاد الافغان، فإنها مجهولة المصير كدولة وكمجتمع!
لم يتهدّد الأمن الدولي إلى هذا الحد إلا في عهد جورج بوش! الاحتباس الحراري يلفّ العالم، ويصيب بأضراره المساحات الزراعية، والبيئة الطبيعية، وتالياً الإنسان، والعنف والإرهاب يزدادان، ويتسعان على مستوى العالم، وسط قلق واضح على المصير!
هذا ما حدا بالرئيس المنتخب باراك اوباما إلى اعتبار معالجة ظاهرة الاحتباس الحراري أولوية في سياسته العامة، بالتزامن مع البحث العلمي عن بدائل الطاقة النظيفة مع تفاقم أزمة النفط في التجارة العالمية.
إلى ذلك، يحمّل الرئيس بوش مسؤولية فشل تسوية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لإرهاب ياسر عرفات، وتوسعية ارييل شارون! وكأنه يساوي بين صاحب الحق في الوطن، وبين مغتصب الوطن ومشرّد شعبه. لم يعترف هذا الرئيس بأنه مارس حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن مراراً وتكراراً لمنع ادانة جرائم إسرائيل الدولية. حتى مجرد الادانة كانت ممنوعة، بحجة حماية أمن إسرائيل. أما أمن الفلسطينيين فإنه ساقط وغير موجود!
قبل ذلك وبعده، سيذكر التاريخ الحديث ان الولايات المتحدة الأميركية في مرحلة جورج بوش سبّبت وقوع أكبر أزمة مالية في العالم، وقد تحوّلت أزمة اقتصادية، بالطبع هناك مسببات أخرى غير أميركية، بيد ان الدور الأميركي كان محورياً.
يصعب التكهّن بقدرة الإدارة الأميركية الجديدة على معالجة هذه الأزمة التي قد تمتد طويلاً، وهي ستفضي بلا شك إلى تغييرات بنيوية في النظام المالي العالمي، وفي موازين القوى الدولية المتنافسة. ما هو واضح ـ حتى الآن ـ تراجع مقولة النظام الدولي ذي القطب الواحد المسيطر، أو تراجع نظام الأحادية القطبية، ما هو ابعد من ذلك يصبح نوعاً من التوقع غير المحسوم.
"المستقبل"




















