الطائرات الحربية المتطورة العشر التي قد يتسلمها لبنان، اذا صدقت الوعود الروسية، لن تكون الجواب على المعضلة التي يواجهها هذا البلد منذ استقلاله وقيام دولة اسرائيل: هل قوته في ضعفه أم ضعفه مصدر قوته؟ بل قد تتحول هذه الطائرات سريعاً الى مشكلة جديدة اذا ما اخذنا في الاعتبار تركيبة البلد السياسية والطائفية المعقدة و "الجيوش" المنتشرة على اراضيه، محلية واقليمية، والبؤر الأمنية المحرمة على الدولة وقواها الأمنية.
لكن لماذا يحتاج الجيش اللبناني الى طائرات قاذفة مقاتلة وهو الذي يكاد يقتصر دوره على دور الشرطي الداخلي المحدود بشروط التوافق بين مختلف الأطراف؟
اذا كان الهدف مواجهة اسرائيل، تبدو الصفقة الروسية مثيرة للشفقة في مواجهة الترسانة العدوة، وهي بالتأكيد لا تستطيع ان تصمد امام آلة حربية شديدة التطور وتفوقها بمئات المرات، ويخشى ان يكون مصير الطائرات العشر التدمير، على الارض او في الجو، او مثل مصير الطائرات التي ارسلها صدام حسين الى ايران او دفنها في الرمال عندما تيقن ان الحشد الغربي لتحرير الكويت جدي ويفوق قدرات جيشه المتطور آنذاك، بما لا يقاس.
وقد عرف لبنان خلال حرب صيف 2006 انه سيواجه اسرائيل وحده ولن تفيده اتفاقات الدفاع المشترك والعلاقات المميزة، ولذا تبدو اي محاولة لزج الجيش في مواجهة مع اسرائيل بمثابة انتحار ذاتي، ولا مجال هنا للمواقف "العنترية" او المبالغات "الوطنية" التي لا ينتج عنها سوى الهباء.
اما اذا كان الهدف تعزيز دور الجيش في مواجهة الارهاب، فهذا ليس بحاجة الى طائرات، بل الى تعزيز القدرات الاستخباراتية والقتالية الخاصة، والتوصل الى اتفاق مع القيادات الفلسطينية بعدم السماح للتنظيمات المتطرفة بإقامة شبكاتها ومعسكرات تدريبها في المخيمات، وإلى مسعى مماثل لدى سورية للضغط على المنظمات الموالية لها من اجل التجاوب مع هذه المطالب وتسهيل عمل الأجهزة الأمنية اللبنانية، بانتظار حل مشكلة السلاح الفلسطيني.
وعلى أي حال فإن مشكلة هذا السلاح لا يمكن ان تحل بالقوة، وهو ما خبره لبنان وعرفه منذ انطلاقة العمل الفلسطيني المسلح قبل اربعة عقود، وجرّبه مراراً سواء في المواجهات بين الفلسطينيين والجيش او في حرب المخيمات التي شنتها الميليشيات الشيعية، بل حتى الاجتياح الاسرائيلي الذي اخرج منظمة التحرير لكنه لم يستطع إلغاء المخيمات وسلاحها.
ولا بد من التذكير ان الجيش اللبناني لم يكن البادئ في حرب مخيم نهر البارد الاخيرة، بل خاضها دفاعا عن النفس والبلد في مواجهة تنظيم ارهابي تلقى سلاحه وأوامره من الخارج. وحتى هذا الدور الدفاعي كان محط تجاذب سياسي داخلي ورسمت حدوده بدقة في العلاقة مع الجار الاقليمي.
وفي حال كان الهدف من الصفقة الروسية الرد على مشروع "الاستراتيجية الدفاعية" التي يطرحها "حزب الله" وحلفاؤه لتحويل لبنان الى ساحة قتال دائم، فهو رد على الخطأ بخطأ مماثل، ذلك ان ما يمكن ان يحمي لبنان من عدوانية اسرائيل لن يكون ابدا بضع طائرات ودبابات، ولا حتى الصواريخ التي شهدنا نتائجها المدمرة قبل عامين، بل تثبيت اتفاق الهدنة بضمانات دولية، وحل الميليشيات المسلحة واستيعاب ما امكن من عناصرها في الجيش والمؤسسات الامنية، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، واعلان حياد لبنان الايجابي تمهيدا لدخوله العملية السلمية، وما سوى ذلك لن يجر الا المزيد من الخراب.
"الحياة"



















