اعتبرت الصحافة الروسية زيارة الرئيس ديميتري ميدفيديف الى اميركا اللاتينية، بمناسبة إنعقاد قمة "منتدى التعاون الاقتصادي آسيا ـ المحيط الهادئ" ـ أبيك ـ، في البيرو "بأنها إكتشاف ثان لأميركا"؛ اما ميدفيديف نفسه فقد وصف جولته، بعد إنتهاء القمة، في البرازيل وفنزويلا وكوبا، ودامت اسبوعاً كاملاً في نهاية تشرين الثاني الماضي، حسب ما ورد في وكالة الأنباء الروسية "ريا نوفوستي" بأن "روسيا عادت الى اميركا اللاتينية ولا سيما كوبا"، حليفتها السابقة في الحرب الباردة.
لقد حظيت هذه الجولة بإهتمام المراقبين على مختلف انتماءاتهم السياسية، فعلى رغم ان وزيرة الخارجية الاميركية كوندليزا رايس قللت من اهميتها مؤكدة على ان الجولة لن "تغير في موازين القوى على ساحة اميركا الجنوبية"، فإن صحيفة "لوس انجلوس تايمز"، وفي افتتاحيتها في 26 من الشهر الماضي، وبعد ان اشارت الى ان روسيا ليست البلد الوحيد الذي يعمل على توسيع نفوذه في اميركا الجنوبية، اذ ان هناك الصين ايضاً، خلصت الى القول: "سيكون الروس والصينيون سعداء بملء الفراغ في اميركا الجنوبية"، بسبب الاهمال الذي مارسته ادارة الرئيس بوش بحق هذه المنطقة منذ احداث الحادي عشر من ايلول 2001، واضافت الصحيفة "ان ميدفيديف حاول بتوجهه الى كوبا إحياء شبح أزمة الصواريخ الكوبية"، عام 1962. أما الإعلام الروسي فقد ركَز على قول الرئيس ميدفيديف حول التعاون الإنساني والاقتصادي والتقني ـ العسكري والذرة للإستخدامات المدنية مع بلدان اميركا اللاتينية بأنه "ليس موجها ضد اي بلد ثالث"؛ فإذا كان الصينيون يطورون مشاريعهم في المنطقة، وكذلك يفعل الاميركيون فيتوجب "علينا ان نطور مشاريعنا ونظهر اننا الافضل في ما خص هذه المشاريع".
ورأى الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز، الزعيم اليساري الراديكالي في اميركا الجنوبية كما يصفه الاعلام، في هذه الجولة نهاية العالم "الآحادي القطبية"، مضيفاً "ان شعوب العالم تشكر روسيا على نضالها من اجل إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب (. . .)تستطيع روسيا لعب دور هام في تحقيق توازن سياسي في القرن الواحد والعشرين".
اظهرت النتائج التي اسفرت عنها هذه الجولة ان الرئيس الروسي حقق خرقا مهماً في "الملعب الخلفي" للولايات المتحدة الاميركية، فواشنطن تعتبر بلدان اميركا الجنوبية ضمن دائرة نفوذها ولا تسمح لأي قوة أخرى بالعمل في المنطقة الا بالتوافق معها؛ وفي مطلق الاحوال فان اهم ما حققته جولة ميدفيديف هو:
اولاً: على الصعيد السياسي لقد اختارت موسكو اللحظة المناسبة لتقتحم منطقة اميركية بإمتياز، فالولايات المتحدة تمر بمرحلة انتقال السلطة من رئيس الى آخر مما عزز هامش الحرية امام موسكو لتنشىء وقائع جديدة مكتملة قبل تسلم الرئيس الجديد سلطاته الرسمية: ان المناورات المشتركة، التي اجرتها البحرية الروسية والفنزويلية، بقيادة الطراد الروسي النووي "بطرس الاكبر" اتاح للسفن الحربية الروسية الابحار في البحر الكاريبي وهذا ما لم تقم به منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، واتاح ايضا لموسكو الاقتراب من منطقة نفوذ واشنطن ؛ واعتبر المراقبون ان هذه المناورات رد روسي على ما قامت به البحرية الاميركية عندما وصلت الى البحر الاسود ابان الحرب الروسية ـ الجورجية الصيف الماضي؛ هذا من الجهة الروسية، اما من جهة فنزويلا فقد عززت نفوذ الرئيس شافيز في المنطقة، كما هدفت هذه المناورات البحرية الى زيادة الخبرات الميدانية في ميدان الامداد والتموين والانقاذ. وعادت الحرارة الى العلاقات الروسية ـ الكوبية، فزيارة ميدفيديف الى كوبا تأتي بعد ثمان سنوات على آخر زيارة قام بها الرئيس الروسي السلبق بوتين الى هافانا واتخذ قراراً منفرداً بإغلاق محطة تنصت روسية بالقرب من العاصمة الكوبية، وذلك مراعاة لإدارة بوش في اوج التقارب الروسي ـ الاميركي. وقد اعلن الرئيس ميدفيديف لدى وصوله الى هافانا ان زيارته "ليست زيارة ترفيهية لرئيس روسي مصحوباً بوفود من المستشارين والصحافيين، بل هي قرار جيوبوليتيكي مهم لإستعادة العلاقات مع حليف قديم..".
لقد عكست هذه التطورات تغييراً جذرياً في الموقف الاميركي، اذ اعلنت الوزيرة رايس انها لا تصر على منح جورجيا واوكرانيا وضع المرشح الرسمي للإنضمام الى الحلف الاطلسي، كما سربت اوساط الرئيس الاميركي الجديد اوباما ان هذا الاخير سيعيد دراسة الفائدة من نشر الدرع الصاروخية الاميركية المضادة للصواريخ في تشيكيا وبولونيا، وهذا هو جوهر الاعتراض الروسي على الخطوة الاميركية. تجدر الاشارة الى ان هذين الموضوعين هما من اهم اسباب التوتر في العلاقات الاميركية ـ الروسية في الآونة الأخيرة.
ثانياً: على الصعيد الاقتصادي ـ التجاري ـ العسكري: لقد حفلت جولة الرئيس الروسي في بعض بلدان اميركا الجنوبية باتفاقيات وقضايا اقتصادية تهم البلدان التي شملتها الجولة؛ ففي البيرو تم التوقيع على اتفاقية لإنشاء مركز لصيانة المروحيات الروسية من طرازات مختلفة، وفي البرازيل تمت اتفاقيات مبدئية لشراء مروحيات عسكرية وطائرات برمائية روسية، وتم التوقيع بين روسيا وفنزويلا على عقود بقيمة 3.8 مليارات دولار لشراء عتاد قتالي ومنظومات للدفاع الجوي ومدرعات ودبابات وطائرات قتالية، وتم التوقيع ايضا على اتفاقية تعاون في المجال النووي للاغراض السلمية واخرى للتعاون في محال الطاقة، كما اعلن الرئيس الروسي انه سيتم خلال الاسبوعين القادمين توقيع اتفاقية حكومية لتأسيس بنك روسي ـ فنزويلي مشترك…، اما في كوبا، حيث كان قد تم الاتفاق بين الحكومتين، الروسية والكوبية، عام 2006 على وضع جانباً ديون بقيمة 20 مليار دولار على هافانا تعود للعهد السوفياتي، وفي هذه الجولة تم الاتفاق على إعادة جدولة الديون الروسية العائدة لما بعد 1991، وفي بداية تشرين الثاني الماضي كانت موسكو قد وافقت على اعتماد بقيمة 20 مليون دولار لهافانا لتغطية شراء معدات روسية في قطاعات البترول والمناجم والنقل. وهكذا استطاعت موسكو، في اوج ازمة مالية عالمية، وفي ظل شلل ادارة اميركية في اتخاذ قرارات مصيرية، ان تعود الى منطقة قريبة من الحدود الاميركية، كما فعلت واشنطن مع روسيا في السنوات الماضية…



















