اذا كان انتخاب نصف اعضاء المجلس الدستوري الجديد شكل الانجاز الفعلي بعد الايام البرلمانية الثلاثة لمجلس النواب، فان ما شهدته خاتمة جلسة مناقشة سياسة الحكومة من جدل في شأن قضيتي الهيئة العليا للإغاثة والهبة السعودية كان انعكاسا لاستمرار الانقسام حيال تداعيات حرب تموز 2006 في الاقتصاد والمال، كما في السياسة. واتخذ هذا الامر بعده العميق مع تزامن اختتام الجلسة وقرب موعد الجولة الثالثة من الحوار الوطني الاثنين المقبل في قصر بعبدا حيث ينتظر ان يعاود البحث في الاستراتيجية الدفاعية التي سيقدم بعض اركان الحوار، ومنهم رئيس الهيئة التنفيذية لحزب "القوات اللبنانية" مشروعه لها. كذلك تزامن مع عامل طارئ دخل على خط هذه المسألة وتمثل في الهبة الروسية لتسليح الجيش بعشر مقاتلات من طراز "ميغ 29" مما بات يقتضي تبديل بعض المعطيات القديمة التي تحكمت بمشاريع الاطراف السياسيين للاستراتيجية الدفاعية.
في ظل هذه المعطيات، تحولت الجلسة النيابية قبيل الشروع في انتخاب الاعضاء الخمسة للمجلس الدستوري، "همروجة برلمانية". وبدأت بإلقاء رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة كلمة مسهبة رد فيها على مداخلات النواب وكان يقاطعها بين الحين والآخر بعض هؤلاء، فيرد عليهم الرئيس السنيورة، الامر الذي اوجب تدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري لضبط الجلسة.
واذ تركز الاخذ والرد على قضية صرف المساعدات للمتضررين من حرب تموز والهبة السعودية، كانت كلمة السنيورة اوسع دفاع عن الحكومة في هذا السياق، اذ قال بوضوح ان "المواطن اللبناني المنكوب لم يجد الى جانبه وبشكل اساسي الا الدولة اللبنانية والاشقاء العرب وبعض المساهمات المحلية والحزبية المشكورة الى جانب عدد من الدول الصديقة". واوضح انه "امام مأزق عدم توافر الاموال لكل عملية اعادة الاعمار والاغاثة (…) ونظرا الى اقفال مجلس النواب عمدت الحكومة الى الاستدانة من مصرف لبنان بضمان جزء من الاموال التي تبرعت بها المملكة السعودية"، مشيرا الى ان العجز المقدر في موازنة الهيئة العليا للاغاثة في ما خص نتائج العدوان الاسرائيلي هو نحو 424 مليون دولار.
اما القسم الآخر من الجلسة فخصص لانتخاب الاعضاء الخمسة في المجلس الدستوري. وبدا واضحا من تبادل الاوراق ان اتفاقات كانت معقودة، لكن زمام الامر افلت في بعض مراحل التصويت الذي دار على مرحلتين، كما تبين لاحقا في عملية فرز الاصوات.
فالعضوان الشيعي احمد تقي الدين والسني طارق زيادة فازا من الدورة الاولى مع نيل الاول 105 اصوات من عدد النواب الحضور وهو 115، فيما نال الثاني 104 اصوات، وهذا ما عكس تجيير الغالبية اصواتها لزيادة وتقي الدين الى جانب المعارضة. اما الاعضاء المسيحيون الثلاثة الآخرون فلم يفز اي منهم في الدورة الاولى، بل فازوا في الدورة الثانية امام منافسيهم بالغالبية المطلقة وهم الماروني انطوان خير الذي نال 63 صوتا والكاثوليكي انطوان مسرة الذي نال 65 صوتا والارثوذكسي زغلول عطية الذي نال 62 صوتا.
واكدت اوساط نيابية في الغالبية لـ"النهار" انها دعمت انتخاب تقي الدين الذي كان تعرض لاضطهاد في عهد الرئيس اميل لحود لانه رفض ملاحقة الرئيس السنيورة وطار من النيابة العامة المالية آنذاك بسبب موقفه. وقالت انها دعمت اختيار الاعضاء الاربعة الآخرين خير ومسرة وعطية وزيادة. واشارت الى "ان الاكثرية مارست امس اكثريتها للمرة الاولى".
أما في ما يتعلق بالشق الذي تركز على موضوع اعادة اعمار ما هدمته الحرب الاسرائيلية، فقالت مصادر وزارية لـ"النهار" ان الجلسة ساعدت في تظهير جملة حقائق أساسية، أولاها ان الدولة اللبنانية تولت عبر الحكومة أكبر عملية اغاثة واعادة اعمار، وثانيتها ان وجود الاموال السعودية سهّل على الحكومة الاستدانة بضمان هذه الاموال. وثالثها ان الارقام التي فندها السنيورة شكلت صدمة نتيجة الدور الذي اضطلعت به الحكومة وضخامة عملية اعادة الاعمار، أما الخلاصة الاخيرة، فهي أنه لا يزال يترتب على الدولة والمواطن تأمين 425 مليون دولار عبر الاستدانة لاستكمال العملية.
المر والهبة الروسية
في غضون ذلك، كشف وزير الدفاع الياس المر ليل أمس في حديث الى برنامج "كلام الناس" من "المؤسسة اللبنانية للارسال" عبر الهاتف من موسكو تفاصيل محادثاته مع وزير الدفاع الروسي في شأن تسليح الجيش اللبناني. ومما قال إنه في الاجتماع مع وزير الدفاع الروسي "أبلغني ان هناك قرارا من الحكومة الروسية بمساعدة الجيش اللبناني. وشكرته فسلمني لائحة من خمس صفحات تتضمن مساعدات للجيش. اطلعت على اللائحة فرأيت انها مساعدات ذات حجم كبير من قذائف للدبابات الروسية الموجودة لدى الجيش اللبناني وقذائف للمدافع وذخيرة وسواها، وهي هبة ضخمة. لكنني اعتبرت ان دولا كثيرة كالجانب الاميركي والغربي قدمت مثل هذه المساعدات وبقي الجيش مكانه على صعيد التجهيز". وأضاف انه شكر وزير الدفاع الروسي وقال له: "اسمح لي بعدم قبول هذه الهبة، فحرصا على روسيا الارثوذكسية وكأول وزير مسيحي ارثوذكسي يزور العاصمة الروسية اعتبر انه اذا كانت روسيا مستعدة لدعم الجيش اللبناني الى اقصى الحدود ودون قيد او شرط كما تقولون آمل ان تنقلوا الجيش اللبناني من مرحلة الى مرحلة أخرى لنضع سقفا معينا تبدأ منه دول أخرى اذا أرادت مساعدة الجيش".
وأوضح المر انه طلب من نظيره الروسي ان تمنح موسكو الجيش سربا من عشر طائرات "ميغ 29"، وان الوزير الروسي أجرى اتصالات في هذا الشأن ثم أبلغه موافقة روسيا على منح لبنان 10 طائرات "ميغ 29" من الطائرات التي يستعملها الجيش الروسي. وأكد ان "المساعدة الروسية غير مقرونة بأي شروط"، معربا عن اطمئنانه الى ان الحكومة "ستكون ممتنة جدا للجانب الروسي ولن يكون هناك أي رفض لها".
وأفاد ان عمليات تدريب الطيارين اللبنانيين على الطائرات ستبدأ في كانون الثاني المقبل وتستمر ثمانية أشهر. ورأى ان "أهمية هذا الموضوع تكمن في أن أي دولة ستتعامل مع لبنان في ما يتعلق بالمساعدات العسكرية من الآن فصاعدا انطلاقا من هذا المستوى صعودا".
واشنطن
وفي السياق عينه، نقل مراسل "النهار" في واشنطن عن مسؤول أميركي مطلع على الملف اللبناني قوله لـ"النهار" ان حكومته تتخذ موقفا "حياديا" من اعلان روسيا الاتحادية تقديم 10 طائرات حربية من طراز "ميغ 29" هبة للبنان. لكن المسؤول أثار بعض الاسئلة عن جدوى هذه الطائرات وفاعليتها "التي تتطلب صيانتها نفقات مالية كبيرة". وأضاف أن حكومته ترغب قبل اتخاذ موقف علني من المسألة في "معرفة المزيد عن هذا الموضوع". وخلص الى أنه "في نهاية المطاف هذه المسألة تخص الحكومة اللبنانية".
"النهار"




















