لعل الذين يحاسبون نائب رئيس الوزراء البريطاني نيك كليغ اليوم على وصفه الحرب على العراق بأنها كانت غير قانونية، يشيحون عن الكثير من الوقائع التي نجمت عنها سواء بحجم الضحايا التي سقطت او بحجم الدمار الذي أحدثته في بلد سيبقى يعاني من آثارها ردحاً طويلاً من الزمن.
ولم تكن هذه الحرب وبالاً على العراقيين وحدهم بل طاولت الاميركيين بشرياً ومادياً، الى درجة ان الامر الذي يُجمع عليه المسؤولون الاميركيون من سياسيين وعسكريين هذه الايام هو ان لا تعديل في الجدول الزمني للانسحاب من العراق، بصرف النظر عن مدى التقدم الذي يمكن ان يحرزه الزعماء العراقيون في مجال تأليف الحكومة الجديدة تحديداً او في مجال المضي في العملية السياسية ككل.
المواقف الاميركية تنم عن خيبة أمل كبيرة من عدم قدرة القوى العراقية، بعد اربعة اشهر من الانتخابات النيابية، على الاتفاق على تأليف الحكومة. صحيح ان النتائج غير الحاسمة والمتقاربة التي حصدتها الكتل المختلفة قد اعطت هامشاً لكل طرف كي يتمسك بحقه في تأليف الحكومة، إنما لا تلوح في الافق أي إرادة سياسية للخروج من المأزق، فيما لم يغب العنف عن المشهد العراقي.
وليست افغانستان وحدها، الدافع وراء تمسك المسؤولين الاميركيين بالجدول الزمني للانسحاب من العراق، بل ان هناك دافعاً اساسياً آخر يتمثل في ممارسة الضغط على القادة السياسيين في العراق من أجل الاسراع في تأليف الحكومة بما يمنح العملية السياسية الزخم المطلوب.
كما ان ثمة ملاحظة أخرى في ما يتعلق بالنظرة الاميركية لما يجري في العراق. إذ ان القوات المسلحة العراقية هي موضع اشادة لدى واشنطن على رغم ان اعمال العنف لم تتوقف يوماً منذ الغزو الاميركي عام 2003، رغم انها تراجعت نسبياً في الاعوام الثلاثة الاخيرة.
وفي المقابل لا يحظى المسؤولون السياسيون في العراق بالاشادة التي يلقاها العسكريون. ولا يغيب عن ذهن الولايات المتحدة ان الخلافات السياسية المستحكمة بين الزعماء العراقيين يمكن ان تنعكس في النهاية تردياً واسعاً، على الصعيد الامني، مما يعيد خلط الاوراق مجدداً في هذا البلد.
وربما من هنا كان مصدر التلويح الاميركي بنشر قوات تابعة للأمم المتحدة على خطوط التوتر بين المناطق الكردية والعربية في شمال العراق. وما يصح في الشمال يمكن ان تطالب به واشنطن لمناطق توتر في انحاء اخرى من العراق.
وهذا التوجه الاميركي يدل بما لا يدع مجالاً للشك ان الولايات المتحدة التي اكتوت بنيران حرب لم تكن ضرورية، لم تعد قادرة على تمديد وجودها العسكري في العراق، وانها عندما تلجأ الى الامم المتحدة فإنها تريد مشاركة دولية في القرارات المتعلقة بالعراق، عكس التجربة التي خاضها الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الابن الذي نحى المنظمة الدولية جانباً لدى اتخاذه قرار احتلال العراق.
بحكومة عراقية او من دونها، وسواء تجدد العنف بوتيرة اوسع ام بقي على وتيرته الحالية، فإن مضي الولايات المتحدة في تنفيذ الجدول الزمني للانسحاب يزيد الضغط على المسؤولين العراقيين، لكن من دون ان يضمن بالضرورة ان هذا الضغط سيوصل الى نتيجة إيجابية.
ومن الان وحتى موعد انسحاب القوات الاميركية المقاتلة من العراق بحلول الاول من ايلول، يبدو ان مساحة الاتفاق بين المسؤولين العراقيين آخذة بالتضاؤل مع رجحان كفة التشاؤم بقرب التوصل الى اتفاق يمكن ان ينتشل العراق من لجة التردي التي اوقعـــه فيها الغـزو الاميركي.
"النهار"




















