|
سبق وقيل أن السياسة اقتصاد مكثف. وانطلاقاً من هذه المقولة الصحيحة، فلا يمكن أن تمر الأزمة الاقتصادية الحالية في النظام الرأسمالي، والتي يحلو للبعض تسميتها بالاعصار المالي، بدون تداعيات اقتصادية واجتماعية، وبدون نتائج سياسية على النظام الرأسمالي نفسه قبل غيره، مركزاً ومحيطاً. |
|
لست ممن يقولون عن أنفسهم، أنهم خبراء اقتصاديين او ماليين حتى أقوم بتحليل دقيق ومفصل لأسباب الأزمة، ولكيفية الخروج منها. هذا اذا كان بالامكان تقديم وصفة للخروج اصلاً. |
|
ولكن بات بالامكان المغامرة، في الحديث عن تداعيات الأزمة الاقتصادية او الاعصار المالي سياسياً. |
|
لو تتبعنا أسباب الاستعمار القديم والحديث، والحروب العالمية والاقليمية، لوجدنا أنها ترتبط بدرجة كبيرة، بالسعي من أجل الهيمنة على الموارد البشرية والطبيعية والاسواق، او توسيع دائرتها. ويترافق هذا اجمالاً مع التبدلات في النظم الاجتماعية والسياسية، والقدرات الاقتصادية والعلمية ، وكانت الحربان العالميتان الاولى والثانية قد افرزتا وعززتا نظاماً اقتصادياً مختلفاً ومناقضاً وهو النظام الاشتراكي متمثلاً بالاتحاد السوفياتي السابق ومعه الصين، وبعض بلدان العالم الثالث. |
|
ووفرتا الظرف السياسي لبروز حركات التحرر الوطني وقيادتها للكثير من شعوب العالم الثالث نحو الاستقلال عن الاستعمار. |
|
ومن أجل حماية النظام الرأسمالي ودعمه، تم الاتفاق على اتفاقية بريتون وودز وانشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية… الخ ، في معمعان الحرب العالمية الثانية. وقدمت أمريكا المساعدات المالية لإعمار ما دمرته الحرب في اوروبا كما قدمت الجيوش لهزيمة النازية والفاشية قبل ذلك، والتي نشبت في أعقاب أزمة الامبريالية عام 1929. وبالتالي يجب ان لا يستبعد أحد امكانية نشوء فاشية جديدة كنتيجة للأزمة الحالية. علماً أن العالم لا يعيش اليوم في ظل الظروف التي كانت قائمة في تلك الفترة ، أي في ظل ثنائية القطبية بين النظام الاشتراكي في صيغة الاشتراكية المحققة كما تجلت في الاتحاد السوفياتي أساساً، وصيغة الامبريالية التي تطورت الى اللبيرالية الجديدة. والاقتصاد المالي التي وصل لها النظام الرأسمالي اليوم. |
|
وعقب انهيار الاتحاد السوفياتي ومعه الاشتراكية المحققة، وابتداع الصين لما أسماه في حينه دينغ تشاو بنغ باشتراكية السوق وصولاً للواقع الحالي، الذي أخذ فيه مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني الأخير، قراراً بقبول الرأسماليين والاغنياء الصينيين في صفوفه. ودخول الصين لمنظمة التجارة العالمية وعقدها لمؤتمر مشترك مع الدول الاوروبية لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية، والتحولات نحو الرأسمالية في غالبية بلدان العالم الثالث، التي سبق لها وسعت للتحول الى الاشتراكية بدعم من الاتحاد السوفياتي في حينه. بعد كل هذا فإن عالم اليوم يعيش في ظل نظام واحد هو النظام الرأسمالي اقتصادياً، مع وجود تفاوت في التعامل مع القضايا الاجتماعية بين دولة وأخرى. |
|
ان من أسباب وصول الأزمة الى ما هي عليه اليوم، والتي يصعب الحديث عن الخروج منها سريعاً، مهما تدخلت الدولة في الاقتصاد، وفقاً لنظرية مينارد كينز، على عكس نظرية مدرسة شيكاغو بقيادة البروفيسور مليتون فريد مان ، الذي دعا لعدم تدخل الدولة، وللحرية الاقتصادية الشاملة ولنظرية السوق يصلح نفسه والتي تبنتها الادارة الأمريكية صاحبة اكبر اقتصاد في العالم منذ عهد ريغان. فالأزمة تكمن في طبيعة النظام الرأسمالي نفسه القائمة على التنافس والنهب والافقار الاجتماعي . |
|
وفي سعي الادارة الأمريكية لفرض الدولار كعملة تداول عالمي منذ سبعينات القرن الماضي ونجاحها في ذلك الى حد كبير وصولاً لسقوط نظام القطبين وتبوأها منفردة قيادة العالم بخاصة ومحاولة فرض مفهومها السياسي وسلطتها على العالم ومؤسساته الدولية بدءاً من الأمم المتحدة وصولاً للمنظمات الاقليمية. |
|
لقد حدث تناقض هام بين سعي أمريكا لفرض نفوذها السياسي، ونشر قواعدها العسكرية، وتدخلها المباشر بالصراعات الاقليمية، وبين قدرتها الاقتصادية والمالية على تلبية متطلبات هذه السياسة .ونتيجة تفاقم هذا التناقض من جهة وسعي شعوب العالم للتحرر من التسلط الأمريكي وبخاصة بعد 2001، في عهد ادارة بوش الابن من جهة ثانية. انفجرت الأزمة في داخل أمريكا نفسها وفي مؤسساتها القائمة على نظرية الليبرالية الجديدة وفي العديد من الدول الشبيهة أو المرتبطة بهذا القدر أو ذاك في هذا النظام. |
|
وكما قال الباحث الياباني فولف مونشو: ان التداعيات الجيو سياسية المرتقبة لهذا الانتقال هائلة جداً… وفقدان دور العملة الدولية الرائدة لن يؤدي الى ضياع النفوذ السياسي فحسب، وانما ايضاً الى ضياع السلطة. ولم يتوقف الأمر عند الأزمة الاقتصادية- المالية، فقد فاقم الوضع بدء تراجع دور امريكا الدولي بعد المصاعب التي واجهتها جيوشها في اكثر من مكان، وبخاصة في العراق وافغانستان، وانفلات الكثير من دول وشعوب أمريكا اللاتينية من قبضتها العسكرية والتي كانت تعتبرها حديقة البيت الخلفية. |
|
والفشل الذي لاقاه حلفاؤها الاستراتيجيون في مغامراتهم العسكرية في لبنان وجورجيا، والتي قاموا بها، على الأغلب بتوجيه ودعم من الادارة الأمريكية أو بعض مراكز القرار فيها. |
|
ان انفجار الأزمة الاقتصادية، وبدء التراجع السياسي، جاءا في ظل تغيرات قيادية في الادارة الأمريكية نفسها وفي حليفتها الاستراتيجية في منطقتنا. مما أضعف قدرتها على فعل الكثير لوقفه. الأمر الذي يساهم في فتح الباب أوسع فأوسع لنشوء أقطاب دولية أخرى، لينهي أحادية القطب الذي سيطرت من خلالها أمريكا على العالم في العقدين الماضيين على الأقل. |
|
من الصحيح القول أن هذا التعدد في القطبية سيكون بين دول تتبع نفس النظام الاقتصادي، أي النظام الرأسمالي، لكن علينا رؤية الخلافات العميقة بينها في جوانب أخرى كالطموحات القومية [ روسيا وأمريكا ]، والى حد ما الايديولوجية [ الصين وأمريكا] والاجتماعية [ شمال اوروبا وأمريكا وبعض دول اوروبا] ومع الكثير من دول العالم الثالث في امريكا الجنوبية وآسيا وافريقيا. ورفض هذه الدول والشعوب للهيمنة الأمريكية واسلوبها الفظ سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. |
|
ان تعدد القطبية الدولية في النظام السياسي العالمي يفسح المجال للشعوب والدول الأخرى وبخاصة في العالم الثالث للنهوض السياسي واعادة بناء علاقاتها وفق قدر متزايد من الاستقلالية السياسية والاقتصادية، واختيار واتباع أسلوب حكم يخدم شعوبها اكثر فاكثر. |
|
وضعف قبضة القطب الواحد، والذي تمثل في العقود الماضية في الادارة الأمريكية، والنظام الاقتصادي القائم على أساس الليبرالية الجديدة، وبداية نهوض اقطاب أخرى مثل روسيا، والصين واوروبا وأمريكا اللاتينية، اقتصادياً او سياسياً او كلاهما. يوفر البيئة أمام شعوب العالم وقواها التحررية والديمقراطية، بما فيها منطقتنا العربية للنهوض مجدداً والتخلص ولو تدريجياً من قبضة الهيمنة الأمريكية. ويفسح المجال لها للنضال الفاعل من أجل حريتها واستقلالها بالمعنيين السياسي والاقتصادي. وللتحرر من هيمنة شروط واملاءات القطب الأمريكي- الاسرائيلي عليها. |
|
لقد بات مطلوباً اليوم من القوى السياسية والاجتماعية في منطقتنا، النهوض والعمل من أجل وضع مصالح ودور شعوبها على خارطة المنطقة وبما يليق بها وبموقعها وإمكاناتها. فالظروف أكثر مواتاة من أي وقت مضى في العقدين الماضيين على الأقل، والمسؤولية الأولى تقع على عاتق هذه القوى وليس غيرها. |
القدسذ




















