كارثة منتخب كرة القدم الفرنسي في جنوب أفريقيا فضحت سطحيّة الدمج العرقي الأوروبي – والآن وحدها ألمانيا تستطيع إنقاذ فرنسا من التفتّت.
في آب 1936، بعد وقت قصير من فوز العدّاء الأميركي الأفريقي النجم جيسي أوينز بأربع ميداليات ذهبية في ألعاب برلين الأولمبية، دعا رئيس تحرير المجلّة الرياضية الرائدة في فرنسا "لوتو"، السلطات الاستعمارية الفرنسية إلى إيجاد أفارقة سود موهوبين رياضياً وتجنيدهم لـ"تمثيل العرق الفرنسي بطريقة مشرِّفة" في المسابقات الدولية. كان العدّاؤون والرماة الفرنسيون قد قدّموا أداء سيّئاً في برلين، واعتُبِر فشلهم أمام أعين العالم إذلالاً وطنياً لفرنسا.
وهكذا، في 3 كانون الأول 1937، أبحرت فرقة بحث برعاية المجلة من بوردو في مهمّة لدراسة الإمكانات الرياضية لسكّان غرب أفريقيا الفرنسي. وقد حطّ هؤلاء المرسَلون الرياضيون رحالهم في السنغال، واستقبلهم كبار المسؤولين الاستعماريين. وكانت نتيجة هذا البحث عن المواهب الإدراك بأنّ المستكشِفين أساؤوا كلياً فهم العلاقة بين الرياضة والمستعمَرين. لم يكن الأفارقة، خلافاً لنظرائهم الأميركيين من أصل أفريقي، يتحلّون باستعداد كبير للرياضة. على العكس، كان هذا الشعب الفقير والذي يعاني من سوء التغذية، يحتاج إلى الرياضة كعلاج لاستعادة عافيته. وهكذا جرى التخلّي عن البحث عن أولاد يمكن أن يكونوا رياضيّين في المستقبل.
بعد نصف قرن، تطوّرت الحساسيات العرقية، غير أنّ مديري الأعمال والمدرّبين الأوروبيين لا يزالون يبحثون عن مواهب سوداء ليجمعوا ثروة منها. وكما تُبيِّن التشكيلة الأفريقية بمعظمها التي شاركت فرنسا من خلالها في كأس العالم هذه السنة، لقد نجح كثرٌ في إيجاد هذه المواهب. لكن بعد الأداء الباهت الذي أسفر عن عودة المنتخب الفرنسي إلى بلاده إثر الجولة الأولى وسط عاصفة من الفضائح والاتّهامات، برزت العلاقة المعقَّدة بين العرق والرياضة من جديد في الخطاب العام بطريقة بشعة جداً.
بدأت الضجّة الأخيرة بعدما رفض المنتخب الفرنسي بكامله حضور جلسة تدريبية عقب طرد أحد أعضاء الفريق. وكان اللاعب المعنيّ، نيكولا أنيلكا، قد وجّه كلاماً بذيئاً إلى المدرِّب، ريمون دومينيك، خلال استراحة الشوطَين في المباراة التي سقطت فيها فرنسا 0-2 أمام المكسيك في 17 حزيران الماضي. عندما بدأت وسائل الإعلام الفرنسية تصف هذا التحرّك بـ"الإضراب" و"التمرّد"، اتّخذ تفاقم الحادثة وتحوّلها أزمة بعداً سياسياً أفضل تفسير له هو أنها دراما ما بعد الاستعمار، إذ واجهت الموهبة السوداء التي لا غنى عنها السلطة البيضاء التي كانت مهمّتها إبقاء المواهب السوداء تحت السيطرة.
تحقير الرياضيين من شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء في فرنسا هو من المواضيع المفضّلة لدى اليمين المتطرّف الفرنسي منذ سنوات. أعلن جان-ماري لو بن، مؤسّس "الجبهة الوطنية" العنصرية المعادي للمهاجرين والساميين، عام 1996 أن المنتخب الوطني الفرنسي غير مقبول انطلاقاً من أسس وطنية بسبب عدد "الأجانب" – أي المواطنين غير البيض – الذين اختيروا لتمثيل فرنسا. وقد تحوّل رفض بعض اللاعبين إنشاد النشيد الوطني نقطة تأزّم مستمرّة حتى يومنا هذا.
لكن بعد تحدّي المنتخب الفرنسي الذي يتألّف بمعظمه من لاعبين سود قادته البيض في جنوب أفريقيا، دخل انتقاد لو بن العنصري للرياضة متعدّدة العرق بقوّة في الاتّجاه السياسي السائد في فرنسا. فوزيرة الصحة والرياضة الفرنسية، روزلين باشلو – ليست شخصيّة متطرّفة – هي التي وصفت أخيراً اللاعبين الأقدم بـ"زعماء العصابات" الذين يستبدّون بـ"الصبية الخائفين" في المنتخب الوطني. خلال تسعينات القرن العشرين، وحده اليمين المتطرّف الفرنسي كان يسخر من فكرة أنّه من شأن الرياضة متعدّدة العرق تسهيل الاندماج العرقي في فرنسا. أما الآن فالسخرية الموجَّهة ضد عدم انضباط فريق "أسود" والفشل الضمني لدور الرياضة الدمجي في المجتمع الفرنسي فتنهال من مختلف أنحاء الطيف السياسي.
ولا يهمّ أنّ الجميع ينظرون إلى دومينيك بأنّه مهرّج غير كفء. ولّدت الصدمة البسيكوسياسية التي أحدثتها الفضيحة، جوقة استثنائية وشبه إجماعية من الانتقادات والتعسّف من الطبقة السياسية الفرنسية بكاملها. سأل وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير "هل سيشوِّه هذا صورة فرنسا؟" وسألت وزيرة التعليم العالي فاليري بيكريس "كيف سيحترم الصغار أساتذتهم عندما يرون أنيلكا يهين مدرّبه؟". حتى إن ردود الفعل في وسائل الإعلام الفرنسية كانت أسوأ، وجمعت بين الأبوية الاستعمارية والإدانة الغاضبة. وقد ذُمَّ اللاعبون ووُصِفوا بأنهم "أفراد عصابات" و"حثالة" و"همجيون" و"أغبياء من المشاريع السكنية". وصوّر الرئيس نيكولا ساركوزي انهيار الانضباط في الفريق بأنّه كارثة وطنية، ودعا إلى تشكيل هيئة للتقصّي عن المسألة. وعندما عاد اللاعب النجم تييري هنري إلى فرنسا بعد تداعي الفريق في جنوب أفريقيا، أرجأ ساركوزي اجتماعاً تحضيرياً لقمّة "مجموعة العشرين" في تورنتو كي يمنح هنري ساعة من وقته في الإليزيه.
لقد استخدم خصوم ساركوزي الفضيحة ضدّه، وألقوا باللوم في أداء الفريق على أمركته المزعومة للمجتمع الفرنسي. أعلن ممثّل الجمعية الوطنية اليسارية جيروم كاهوزاك "سيطرت على الفريق الفرنسي أخلاقيّات روّجها ساركوزي: الفردية والأنانية، كلّ واحد يعمل لنفسه، والطريقة الوحيدة لقياس نجاح الأشخاص هو الشيك الذي يتمّ تحريره في نهاية الشهر".
كانت هناك خطوة قصيرة بين الأنانية الرأسمالية والـ"بلينغ بلينغ" (الحلى اللمّاعة) المبتذل لغيتوات المهاجرين الذي بات يُلوّث المنتخب الوطني الفرنسي. كان رئيس الوزراء السابق وخصم ساركوزي، دومينيك دوفيلبان، الأكثر وضوحاً عندما قال "لا أريد أن تشبه فرنسا منتخبنا في كرة القدم".
تَحوُّل المنتخب الوطني الفرنسي رمزاً للانقسامات في المجتمع أمر مؤسف جداً، نظراً إلى أنه عام 1998، امتُدِح فوز فرنسا في كأس العالم بأنّه جاء ثمرة السياسة الرسمية الفرنسية القائمة على الدمج العرقي والإتني. وقد تألّق نجم زين الدين زيدان، اللاعب الفرنسي المجلّي وابن والدَين جزائريين، كرياضي ومواطن نموذجي بدا أنّه يجسّد نجاح النموذج الفرنسي للاندماج الإتني.
تُحبَط هذه العقيدة التعدّدية الثقافية لصالح العقيدة التي تعتبر أنّه ليست للون البشرة والإتنيّة أي علاقة بكون المرء مواطناً فرنسياً. قد يبدو أنّ الأمر ينطوي على مفارقة، لكنّ انتصار "السود-البيض-القمحيين" – الرياضيين السود والبيض ومن شمال أفريقيا – لاقى ترحيباً باعتباره مؤشّراً بأنّ المجتمع الفرنسي محصَّن حيال الانقسامات التي يمكن أن تتسبّب بها التعدّدية الثقافية. واعتُبِرت النشوة الوطنية التي ولّدها الانتصار استراحة مرحَّب بها من المخاوف المستمرّة في البلاد بشأن النتائج الاجتماعية والثقافية للهجرة الواسعة النطاق وانتشار المسلمين في مختلف أنحاء أوروبا الغربية.
لقد قضى المأزق الحالي في كأس العالم بقوّة على الهوامات الطوباوية لعام 1998. لا بدّ من أنّ السلوك غير اللائق لهؤلاء الفرنسيين الهامشيين عرقياً جعل ساركوزي يستعيد ذكريات مسبِّبة للصدمة عن أعمال الشغب المدمِّرة جداً والمطوَّلة التي قام بها شبّان مهاجرون من شمال أفريقيا في المشاريع السكنية البائسة شمال باريس في خريف 2005. حاول ساركوزي الذي كان آنذاك وزيراً للداخلية، تطبيق سياسة اللاتسامح حيال زُمر المخرّبين المراهقين الذين وصفهم في عبارة شهيرة بالـ"حثالة". بيد أن القانون والنظام لم يكونا الضحيّة الوحيدة لهذا العنف الإتني. فإلى جانب آلاف السيّارات التي أُحرِقت، تعرّضت صورة فرنسا في ذاتها للهجوم. أعلنت الصحيفة الألمانية Frankfurter Allgemeine Zeitung آنذاك "نموذج الدمج الجمهوري الذي استندت إليه نظرة فرنسا إلى نفسها طوال عقود، يحترق".
كما حفّزت فضيحة كرة القدم التي تواجهها فرنسا حالياً مقارنات محبِطة للمعنويات مع إخفاقات مؤسّسية أخرى وصفها البروفسور فرانسوا غاليشيه بأنّها أشكال من "الأمّية الاجتماعية". فكلّ رداءة إدارية فاحت منها رائحة الأخطاء الفاضحة – موقف حكومة ساركوزي المتراخي من نزاعات المصالح، وفضيحة مصرف "سوسييتيه جنرال"، وتمرير سياسات المعاشات التقاعدية المثيرة للجدل – تمّت مساواتها بالإخفاقات المتراكمة التي انتهت بالخزي في كأس العالم. ليس مفاجئاً أن التحاليل التي عادت إلى الوراء للنظر في الاستعدادات لكأس العالم وجدت أخطاء فاضحة وتجاوزات واشتكت منها. واحتار مواطنون كثر في مشاركة الفريق أصلاً في كأس العالم لأنّ الجميع كانوا يعلمون أنّه وصل إلى جنوب أفريقيا بعد انتهاك واضح للقواعد – كرة يد لهنري في اللحظة الأخيرة أسفرت عن هدف الفوز في مباراة التأهّل ضد إيرلندا. وقد ذكّر سماح الأوصياء على كرة القدم الفرنسية لهذا التقدّم غير العادل بدفع قضيّتهم نحو الأمام، بعض الفرنسيين بما وصفه غاليشيه بأنّه "الإخفاق الاستثنائي والسحيق للنخب الفرنسية في توفير أيّ نوع من المبادرة الجماعية". نتيجةً لذلك، فإنّ فشل الفريق "الأسود" الفرنسي جعل نجاح الدمج متعدّد العرق يبدو سطحياً.
تشير الأصداء الواسعة التي لاقتها هذه الفضيحة الفرنسية في وسائل الإعلام إلى أهمّيتها الرمزية بالنسبة إلى أوروبا الغربية ككل. بالفعل، لقد أصبح انتشار التشنّجات الإتنية والدينية وحدّتها في دول الرعاية الاجتماعية المزدهرة في الاتحاد الأوروبي، جزءاً لا يتجزأ من الحالة الأوروبية. لسخرية القدر، بعدما ألهم أداء عدّاء أميركي أفريقي في الألعاب النازية عام 1936، الاندفاعة الفرنسية الأولى نحو التعدّدية الثقافية في الرياضة، قد يكون البلد الذي يجسّد هذه التعددية أفضل تجسيد اليوم هو مضيف الألعاب الأولمبية في ذلك العام: ألمانيا. لم يسبق أن كان هذا العدد الكبير من لاعبي منتخب كرة القدم الألماني من أصول أجنبية: من عائلات مهاجرة أو من عائلات أحد الوالدَين فيها ألماني، أو أبناء ألمان من أوروبا الشرقية كانوا منفيّين في السابق. تتعرّض ألمانيا، على غرار جيرانها الأوروبيين، لضغوط شديدة لدمج مهاجريها، ولا سيما مهاجريها الأتراك والمسلمين، في النسيج الاجتماعي. وعلى الرغم من أنّ القتل الهمجي للأجانب ذوي البشرة الداكنة أصبح الآن من الماضي، لا تزال الخلافات حول البطالة والمدارس متعدّدة اللغة وبناء المساجد والحرَكية الاجتماعية المنخفضة، محتدمة.
لقد أظهر الرأي العام الألماني اهتماماً كبيراً بإتنيّة ممثّليه في كأس العالم، لكنّ هذا الفضول لا يزال تحت السيطرة. تحول كوابح ما بعد الحرب في موضوع الشوفينية العرقية في ألمانيا دون حدوث تعسّف رسمي على الطريقة الفرنسية. غير أنّ رئيس اتّحاد كرة القدم الألماني ناشد السياسيين الألمان تحويل الانسجام متعدّد الإتنية الذي يتمتّع به المنتخب الوطني الألماني، الى السلام الاجتماعي الذي تحتاج إليه ألمانيا بقدر ما يحتاج إليه باقي أوروبا. لا شك في أنّ أحد الأسباب وراء تخفيف الفريق الألماني، على ما يبدو، من حدّة كره الأجانب فيما يساهم الفريق الفرنسي في تعزيزه، هو أنّ الألمان يفوزون في المباريات. لكن كما تعلّمت فرنسا خلال العقد المنصرم، النشوة الوطنية التي يولّدها الانتصار في كأس العالم تُريح لوقت قصير فقط. ليس الفوز بالكأس الذهبية سهلاً، لكن مقارنةً برأب التشنّجات العرقية، إنها لعبة أولاد.
"فورين بوليسي"
ترجمة نسرين ناضر
(أستاذ الدراسات الجرمانية في جامعة تكساس في أوستن)
"النهار"




















