– عكا
على الرغم من مرور أكثر من اثنين وستين عاما على إقامة إسرائيل، إلا إن التوتر والصراع الثقافي والاجتماعي بين اليهود الغربيين (الأشكنازيين) واليهود الشرقيين (سفارديم) ما زالا متفاقمين، ويبدو أنهما لن يخبوا في المستقبل المنظور.
وانفجر هذا الصراع في الآونة الأخيرة في ما بات يُعرف باسم "قضية مدرسة بيت يعقوب" في مستوطنة "عمانوئيل" [في الضفة الغربية]، والتي كان فحواها منع طالبات سفارديات من الاختلاط مع طالبات أشكنازيات.
غير أن الجدل بشأنه، على المستوى الثقافي، يطاول وقائع الماضي أيضاً. فقبل بضعة أشهر عرضت القناة الأولى للتلفزة الإسرائيلية مسلسلاً بعنوان "العيش مرة أخرى" للمخرج الإسرائيلي ذي الأصل الشرقي حاييم بوزاغلو. يتحدث المسلسل عن قصة مهاجرين يهود من المغرب أرادوا الوصول إلى فلسطين في عام 1947 على متن سفينة تدعى "يهودا هليفي".
وخلال حلقة نقاش ضمن برنامج "بوليتيكا" في قناة التلفزة نفسها، قال بوزاغلو إن "المسلسل يروي قصة هجرة يهود من المغرب، وفي موازاة ذلك دمجنا قصصا ليهود ناجين من المحرقة النازية [أي يهود أشكناز]. ويلتقي هؤلاء جميعاً في سفينة تبحر في اتجاه شواطئ البلد. وخلال عملية الإبحار يعترض البريطانيون السفينة، لكن بعض المسافرين ينجح في الوصول إلى هدفه، فيما يتم احتجاز بعضهم الآخر في معسكر اعتقال في قبرص". وأضاف أن هؤلاء المهاجرين اليهود من المغرب "كانوا يحملون أفكارا مثالية وصهيونية".
تجدر الإشارة إلى أن تاريخ وقصص السفن التي حملت مهاجرين يهودا إلى فلسطين في نطاق تطبيق الأفكار الصهيونية قبل إقامة إسرائيل، كانت معروفة طوال الوقت. لكن الشائع في الذهنية الإسرائيلية العامة هو أن هذه السفن كانت دائما تحضر اليهود الأشكناز، ولم يجر الحديث مطلقاً على سفن أحضرت يهودا شرقيين. ولذا فإن الجدل في برنامج "بوليتيكا"، والذي دار بين يهود شرقيين وأشكناز، تمحور أساساً حول السؤال: هل تم محو مساهمة اليهود الشرقيين في إقامة دولة إسرائيل من كتب التاريخ الإسرائيلية؟
وقال بوزاغلو إن "عام 1947 هو عام يبدو في الظاهر مجهولا، لكن خلال التحقيق الذي أجريناه استعدادا لإنتاج المسلسل، اكتشفنا فجأة وجود سياسة إقصاء. وكان لأرثور روبين [أحد قادة الحركة الصهيونية] الذي يعرف بأنه ‘أبو الاستيطان’، خط سياسي سافر، وقد قرر عمليا في نطاقه، منذ عام 1908، أن يهاجر إلى البلاد يهود غربيون وأن تكون إسرائيل دولة غربية، بينما نحن، المغربيين والشرقيين عموما، نكون قوة العمل السوداء".
ورأت شيرا أوحايون، الناشطة في حركة "القوس الديموقراطي الشرقي" [وهي حركة إسرائيلية اجتماعية تأسست في عام 1996 من طرف مثقفين يهود ذوي أصول عربية وشرقية ورفعت لواء نشر الخطاب الديموقراطي ومبادئ التعددية الثقافية]، أن "إسرائيل اتبعت منذ قيامها سياسة عليا موجهة تهدف إلى إخفاء تاريخ اليهود من أصول شرقية. فتاريخ اليهود من البلدان الإسلامية تم محوه على مدار الأعوام. وانسحبت عملية المحو هذه على الأدب والموسيقى أيضا، ولم تكن مقتصرة على التاريخ فقط. وعملياً فإن هذا التاريخ غير موجود على الإطلاق. وإذا نظرنا إلى منهاج تدريس التاريخ، حتى إلى ما قبل أعوام معدودة، فسنرى أنه يروي تاريخ إسرائيل الأشكنازية. وبالتأكيد فإن القرار القاضي بمحو تاريخ اليهود الشرقيين كان قراراً موجها ومقصودا. فهناك ما يعرف باسم اللجان المهنية التي تعمل على إعداد مناهج التعليم في موضوع التاريخ، وهي التي تقرر ما الذي يتعلمه طلاب المدارس في إسرائيل وما الذي لا يتعلمونه. إن تاريخ اليهود الشرقيين موجود، وكذلك أدب اليهود الشرقيين، لكن لم يتم التطرق إليهما طوال الأعوام الفائتة كلها".
من جانبه، قال الأديب والصحافي الإسرائيلي يوناتان يافين، وهو يهودي أشكنازي: "لا أنفي بالكامل إمكان أنه كانت هناك مؤامرة لمحو تاريخ الشرقيين. لكني أريد أن أضع أمامكم تصحيحا تاريخيا، فأنا أعتقد أنه ينبغي إجراء فصل واضح بين محو التاريخ وبين أمور موضوعية وواضحة، مثل أن هناك هجرات يهودية جاءت من أوروبا وكانت هجرات تربوية وأكاديمية صافية. لذا فإن المؤرخين كتبوا التاريخ عن هذه الهجرات، بينما الهجرات التي جاءت من الشرق، من البلدان الإفريقية [المقصود شمال إفريقيا]، كانت في عدد كبير من الحالات آتية من مجتمعات ريفية وأكثر بساطة، واندمجت ثقافيا هنا. والحديث لا يدور فقط على سد الأبواب في وجه الشرقيين وإنما ينبغي الاعتراف بأن اليهود الأوروبيين أتوا من مجتمع الكتب والحضارة".
واعترضت أوحايون على أقوال يافين قائلة "كلها مجتمعات كتب وحضارة… ألم يصل يهود من أرياف أوروبا، ومن الـ ‘شطعطل’ [أي من القرى اليهودية في أوروبا الشرقية التي كانت في حالة شبه عزلة عن المجتمعات الأوروبية]؟ في مقابل ذلك فإن والدي تعلم في مدرسة مرموقة في المغرب، وليتني حصلت على تعليم في إسرائيل مثل الذي حصل عليه والدي هناك". وأضافت "على الرغم من ذلك فإن [واضع النظرية الصهيونية] ثيودور هرتزل كان موجودا في فيينا والصهيونية هي أشكنازية في جوهرها وأنا لا أنفي ذلك. لكن اليهود كانوا قبل هرتزل، وأنا أعتقد أن على أي ولد في إسرائيل أن يجد نفسه وعائلته ومجتمعه [الذي هاجر منه] في تاريخ هذه الدولة".
كذلك اعترض بوزاغلو على أقوال يافين وقال إنه "يزيف التاريخ هنا. فعام 1947 كان قبل إقامة الدولة. ووالدي وصل إلى هنا من المغرب. ولا أحد في البلد يعرف عن سفينة يهودا هليفي التي وصلت من المغرب. وكان على متن هذه السفينة أناس رغبوا في تطبيق الحلم الصهيوني. وحتى أنهم في مناهج التعليم لم يدرسوا عن يهودا هليفي طوال أعوام إلى أن أدركوا أنه يجب إدخاله إلى مناهج التعليم اخيراً. وأكرر أن أحد الممثلين في المسلسل، ويدعى إيتان بلوم [الذي يدل اسمه على أنه يهودي أشكنازي]، أجرى تحقيقا ووجد، بكل بساطة، أن أرثور روبين قال إن الأشكناز سيجلبون الثقافة ونوع الطعام والموسيقى وكل شيء، بينما الشرقيون، أي المغاربة والعراقيون واليمنيون، سيبنون البلد".
أمّا المحاضر في تاريخ إسرائيل والصهيونية في جامعة بن غوريون في بئر السبع، الدكتور آفي برالي، فرأى أن "الادعاء بوجود مؤامرة وبأن ما فعلته المؤسسة الإسرائيلية والصهيونية هو إخفاء دور الشرقيين وتحويلهم عمالاً لا يصمد أمام امتحان المنطق، إذ إنه لدى المؤسسة مصلحة في إدخال ملايين اليهود الشرقيين في إسرائيل إلى الفكر الصهيوني. وكانت لدى المؤسسة مصلحة كهذه منذ مطلع القرن العشرين. لكن من جهة أخرى فإن ضلوع الشرقيين في المشروع الصهيوني لم يكن مركزيا في وعي الناس وفي مناهج التعليم، وهو الأمر الذي تطلب حركة القوس الشرقي الإشارة إليه، وهذه حقيقة أيضا. لكن لا يمكن تفسير هذه الحقيقة على أنها مؤامرة، وإنما منذ وقت طويل كان اليهود من أصول أوروبية هم المسيطرين في مجتمعنا كما أنهم كانوا المسيطرين على عملية صوغ ذاكرتنا حتى سبعينات القرن العشرين تقريبا. وقد كانت لليهود الأوروبيين سيطرة كبيرة على ثقافتنا. وتم التعبير عن ذلك من خلال الذاكرة التاريخية والثقافية. وكانت المصلحة هي إدخال الشرقيين إلى المشروع الصهيوني".
ورفض عضو الكنيست السابق من حزب العمل والقيادي في حركة الكيبوتزات، حجاي ماروم، تذمر الشرقيين. وقال "إنني لا أعتقد أنه حدث أمر كهذا، أي تم محو دور الشرقيين من كتب التاريخ. وينبغي فهم تاريخ المشروع الصهيوني. لقد بدأ هذا في أوروبا ويسرني أن أوحايون تقول إنها تعترف بذلك. لقد بدأ المشروع الصهيوني في أوروبا وتعقدت الأمور مع ظهور العداء للسامية في أوروبا وتطورت الأمور إلى أن وصلت إلى المحرقة ومن هناك وصل اليهود إلى إسرائيل. وكان عدد اليهود الشرقيين الذين وصلوا إلى البلد في عام 1948 قليلا للغاية. وعاش اليهود الأشكناز عندما وصلوا إلى البلد حياة صعبة وسكنوا في الخيام لا مثل الشرقيين الذين سكنوا في ‘معبروت’ [وهي مساكن ضيقة ومؤقتة] عندما وصلوا إلى البلد [في الخمسينات]. ولم يدّع الأشكناز أن غبنا لحق بهم. وعندما وصل الشرقيون سكنوا في الـ ‘معبروت’ بينما القدامى انتقلوا للسكن في بيوت. لا أريد أن أقول إن اليهود الشرقيين يتباكون، لأنني أعتقد أنه كانت هناك فترة في التاريخ الصهيوني تعامل فيها اليهود الأوروبيون باستعلاء إزاء اليهود الشرقيين. لكن هذا الأمر آخذ بالزوال منذ بداية الستينات إثر البدء في إقامة مدن التطوير".
لكن بوزاغلو رفض بدوره أقوال ماروم وقال "إنني أروي في المسلسل قصة حقيقية عن أناس وصلوا إلى البلد، وعن الأحداث التي مروا بها. أنا لست ديماغوجيا ولا أقوم بدعاية. وقد تمسكت بحقيقة الناس سواء أكانوا شرقيين أو أشكناز. ولا بُدّ من الكفّ عن وصف الأحداث القاسية بكلمات جميلة، فهناك واقع وهو أنه تم وضع الشرقيين في مدن التطوير، أي في الأطراف، واضطروا إلى القيام بالأعمال السوداء، كما أن مستوى التعليم في هذه المدن كان أدنى من مستوى التعليم في مدن وسط إسرائيل حيث يسكن الأشكناز، ولذلك فإن الكثيرين من الشرقيين انزلقوا إلى الإجرام والمخدرات بسبب سياسة حزب ماباي [الذي حكم إسرائيل منذ تأسيسها وحتى عام 1977]. وأنا أقول ذلك رغم أن والدي كان عضوا في ماباي… لقد وضع جميع الشرقيين في الأطراف في إطار سياسة متعمدة. وهناك دراسات حول الموضوع. وقد أصبحنا الآن نعرف القراءة والكتابة، وشرعنا في قراءة الوثائق، بما فيها وثائق أرثور روبين وزئيف جابوتنسكي وغولدا مائير، وبتنا نعرف الحقيقة كما هي من دون رتوش".
من جانبها، أشارت أوحايون إلى مشهد في مسلسل بوزاغلو "العيش مرة أخرى" تقول فيه مهاجرة يهودية أشكنازية في معسكر الاعتقال في قبرص عن مهاجرات يهوديات شرقيات "إنني لا أريد النوم معهن في خيمة واحدة. إنهم يتحدثن بالعربية ومليئات بالقمل". وزادت "أعتقد أن النقطة المحورية تبقى كامنة في قول الأشكنازية "إنهن عربيات"، ذلك بأن هؤلاء المهاجرين [الشرقيين] أتوا من الدول العربية، ويبدون مثل العرب، كما أنهم جلبوا معهم ثقافة عربية أخافت آباء الصهيونية هنا بصورة كبيرة للغاية. وأنا مررت بتجربة المحو الثقافي كفتاة صغيرة، وكنت أخجل من أن والدي يستمع إلى أم كلثوم وفريد الأطرش في البيت، وأخاف من أن تنبس والدتي بكلمة ما بالعربية في المدرسة. وقد تم تمرير هذه الإيحاءات لنا كأولاد في المدرسة من خلال رسائل خفية وعلنية. وكان واضحا للغاية أي ثقافة علينا أن نطمسها وأي ثقافة علينا أن نتبناها. وقد بدأت عملية تحويلنا إلى أشكناز في المدرسة، وهي موجودة في وسائل الإعلام. أنا كبرت في بيت كان يتحدث أربع لغات، هي الإسبانية والفرنسية والعربية والعبرية. وأنا سعيدة بهذا. وللمناسبة فإن تصنيفنا كشرقيين وقبليين وغير مثقفين هو تماما التصنيف الموجود في الكتب المدرسية".
وختم بوزاغلو الجدل بالقول إنه "بعد عملية الرصاص المسكوب [أي الحرب على غزة] كنت في مهرجان أفلام في باريس، وحصلنا هناك على جوائز. وقال لي مخرج كندي غير يهودي التقيت به خلال المهرجان: أنت عمليا أفرو – أشكنازي"، في إشارة إلى مكانة الشرقيين في إسرائيل الشبيهة بالسود الأفرو – أميركيين.
(باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- "مدار")
"النهار"




















