في الثالث عشر من حزيران الماضي، بدأ سجناء إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي بالخروج تباعاً من سجن عدرا المركزي، بعد أن أمضوا عامين ونصف العام، مدة محكوميتهم الكاملة. ومن المنتظر أن يكتمل خروجهم عند نهاية هذا الشهر تموز 2010، باستثناء الأستاذ علي العبد الله عضو الأمانة العامة للإعلان، الذي لم يطلق سراحه، ويتعرض لمحاكمة جديدة بتهم مستجدة أمام القضاء العسكري، في موقف انتقامي كيدي خاص، يطال الرجل وأسرته، ولا يخفى على أحد.
صحيح أن سجناء الإعلان لم يكونوا أول قافلة من قوافل الصاعدين إلى الحرية في بلادنا، ولن يكونوا آخرها. فمنذ نصف قرن والسجون السورية تستقبل وتودع زرافات ووحداناً من السوريين الأحرار المعارضين للسلطة، المناضلين من أجل وطن مزدهر ودولة حديثة. غير أن القضية التي سجن من أجلها نشطاء الإعلان ورموزه القيادية، وحيثيات محاكمتهم وظروف اعتقالهم وسجنهم وكذلك حالة خروجهم، تحمل دلالات خاصة، وتوزع رسائل متعددة الاتجاهات والأهداف. وفي الوقت نفسه، تضع الأوضاع العامة في البلاد وآفاق تطورها المستقبلي على طاولة البحث من جديد.
* * *
لم يكن مفاجئاً ولا مستغرباً هذا الخروج الباهر والواعد لقيادات الإعلان. فبعد فترة معاناة قاسية وسجن طويل ومحاولات متعددة الأشكال لكسر إرادتهم والنيل منهم أفراداً ومجموعةً، بدا إخوتنا ورفاقنا وقادتنا المفرج عنهم بوضع يثلج الصدر، ويشد العزيمة، ويجدد الأمل. كذلك كانت أقوالهم وتصرفاتهم وتصريحاتهم الخاصة والعلنية، تمتح من المعين ذاته، وضوحاً في الرؤية وصلابة في الموقف. وعلى مثل ذلك كان استقبال المقيمين للعائدين. فالمهام راهنة والطريق طويلة والعهد هو العهد. والبلاد التي أنهكها الاستبداد، ويسكنها التوق إلى الحرية، لن يخذلها الأحرار من أبنائها مهما عظمت التضحيات وعز الثمن.
لقد عبروا بوضوح ساطع عن تمسكهم بالإعلان كفكرة وكمشروع، وعن ثقتهم الكاملة بقدرته على تجميع القوى وتوحيد الجهود وشقِ طريق للإصلاح الجذري والتغيير الديمقراطي، الذي تحتاجه البلاد وتنتظره. و قد برهنوا، عبر مبادرتهم السريعة إلى الاشتراك في نشاطات المعارضة، وفي حضورهم اللافت لجلسات محاكمات سجناء الرأي ونشطاء حقوق الإنسان، عن توفر العزم والعزيمة، واستمرار القدرة على متابعة مهام الحراك الوطني، ومباشرة العمل العام والتضامن مع ضحايا القمع والمضطهدين سياسياً. إذ لم تقوَ على تشويش أفكارهم الدعايات والدسائس الرخيصة وحملات الهدم والتشويه، التي تناولت الإعلان، وطالت نشاطاته ونشطائه. ولم تفت في عضدهم تهديدات السلطة وأساليبها في الترغيب والترهيب، ومساعيها في زرع بذور الشقاق بين الصفوف، أملاً في الحصول منهم بعد استعادة الحرية على ما عجزت عن الحصول عليه خلال الاعتقال.
* * *
بقيت حياة مناضلي الإعلان في السجن وظروف عائلاتهم طوال فترة الغياب تحت الضوء. إذ لم توفر هيئات الإعلان ومؤسساته أي جهد ممكن على هذا الصعيد. وباشرت واجباتها ومسؤولياتها – على قدر الإمكان – لتبقي قضيتهم مرفوعة. وكذلك فعلت القوى والأوساط الاجتماعية المؤيدة للإعلان والمتعاطفة معه. كما كان لمنظمات حقوق الإنسان السورية والعربية والعالمية دور ملحوظ بهذا الشأن. وبمثله قامت الجهات الدولية المعنية من دبلوماسية وإعلامية وإنسانية. من هنا فإن معاناتهم الخاصة والعامة غدت معروفة للجميع. وكانت موضع شجب واستنكار كبيرين.
من اليوم الأول الذي تم فيه تحويل المعتقلين إلى سجن القضائيين في عدرا ظهرت نوايا السلطة في إضافة شكل جديد من أشكال المعاملة السيئة لهم. حين تم توزيعهم على مهاجع المرتكبين والمجرمين، وحرموا من حقوقهم كسجناء رأي في التواصل والعيش المشترك. وقد شكل معاناة إضافية لهم، فرض التعامل مع هذه النوعية من الأشخاص والعيش بين ظهرانيهم، وفي ظل تحريض مارسته إدارة السجن لإزعاجهم ومحاصرتهم والتجسس عليهم. والأنكى من ذلك أن الإدارة حرمتهم حتى من حقوق السجناء القضائيين. فلم تسمح لهم بالدراسة والمطالعة، وحرمتهم من حقهم في ربع المدة الذي ينص عليه القانون.
لن نتحدث عن التهم التي وجهت لهم وشكل التقاضي الذي مورس معهم، فقد أصبح معروفاً للجميع. فلقد شكل هذا التقاضي عبئاً ثقيلاً على ضمير القضاء السوري وعلامة فارقة في تاريخه، حين أخرجه من الاستقلالية والنزاهة وتوخي العدل، ووضعه كلياً تحت رحمة التوجيهات والأوامر السلطوية والأجهزة الأمنية المختلفة. وقد نجحت السلطة في إقحام نقابة المحامين السوريين ذات التاريخ القانوني العريق في هذه المهزلة. وهكذا فقد تم تشويه العدالة السورية بجناحيها القضائي والقانوني وتحطيمها. بالطبع خضع لهذه المعاملة السيئة جميع سجناء الرأي والمعتقلين السياسيين في هذه المرحلة. ونخص منهم الأستاذين هيثم المالح ومهند الحسني والعديد من المناضلين الأكراد ومجموعات كبيرة من المواطنين على خلفية إسلامية.
وتبقى إجراءات السلطة بالأقوال والأفعال خلال مرحلة إطلاق سراحهم أبشع ما تفتقت عته قريحة الاستبداد، الذي يمضي عمقاً واتساعاً أكثر من أي مرحلة سابقة. حيث تعرض المفرج عنهم، وبشكل فردي ومنعزل وهم معصوبو الأعين، لجلسة تلقين ( أمني ) مترعة بالتهديد والوعيد، ومزينة بالمديح الشخصي الرخيص الذي لا ينطلي على أحد، في الوقت الذي تجري فيه مساعي تهشيم الإعلان وتشويه سمعته وأهدافه، وتخوين المناضلين المثابرين في رسالته. وكم كان مؤلماً وواضح المرمى التهديد الذي تعرضوا له، بأن التهم المجهزة لهم في المرة القادمة ستكون من عيار الخيانة والتجسس. هكذا وبكل بساطة، تعدل السلطة سلة تهمها الجاهزة. وتَعِد بها المثقفين الديمقراطيين وقوى المعارضة ونشطاء العمل العام إن استمروا في إصرارهم على حقهم في المشاركة الاجتماعية وتولي مسؤولياتهم الوطنية التي ينص عليها الدستور، ويمنحها لجميع المواطنين.
وأخيراً وليس آخراً، يأتي التضييق على حركة المفرج عنهم وإخضاعهم للمراقبة اللصيقة خلافاً لأي سند قانوني أو منظومة أخلاقية أو شرعة معتبرة. وقد بلغ الذروة مع الدكتورة فداء الحوراني رئيسة المجلس الوطني لإعلان دمشق، التي تتعرض لحصار محكم ومتابعة مستمرة للحؤول دون التواصل معها. ويتم حرمانها من حقها في التمتع بحريتها الكاملة في إطار محيطها ومجتمعها.
رغم ذلك، كان التأييد السياسي والاهتمام الشعبي والتضامن الاجتماعي مع الصاعدين إلى الحرية في ذهابهم وإيابهم أبلغ دليل على سيرهم بالاتجاه الصحيح، وحيازتهم على تعاطف شعبهم واحترامه وتقديره لدورهم الريادي وتضحياتهم الغالية.
* * *
إذا كانت الحملة، التي باشرتها السلطة مع مطلع العام 2008 على إعلان دمشق، إثر النجاح المدوي لانعقاد المجلس الوطني مستنكرة ومدانة، غير أنها مفهومة في إطار عقلية سلطوية، أدمنت الحلول الأمنية، ومضت بعيداً في مجافاة شعبها وحقوقه وطموحاته.
ففي ظل فشل ذريع، على جميع الأصعدة، من أجل استعادة شرعية متآكلة، وعجز عن طرح مواجهات إيجابية لاستحقاقات البلاد، واجتراح حلول ناجعة للمشاكل التي تعترضها في غير مجال، شكل الإعلان في لحظة ولادته 2005، وعند تجديد انطلاقته 2007 موئل أمل للسوريين، لتوفير ظروف آمنة وسلمية ومتدرجة لتغيير وطني ديمقراطي، يخرج سورية مما تعاني، ويضعها على سكة السلامة.
من هنا، نرى أن ما تعرض له سجناء الإعلان عبر رد فعل عصبي ومتشنج من السلطة لم يستهدف أشخاصهم إنما أدوارهم والآمال التي استولدوها من حراكهم ( فهم مميزون وجهودهم متميزة ). كما يستهدف المشروع الذي حملوا عبء مسؤولياته وشرف تقديمه للمجتمع.
كان سيف القمع السلطوي لحركة إعلان دمشق ذا حدين: أحدهما داخل السجن ضد المعتقلين، والآخر خارج السجن في مواجهة الإعلان وما يمثله. وعملت الأجهزة وفق حركة مزدوجة ضد النشطاء وقادة العمل وضد المشروع في آن. وليس عسيراً أن نلاحظ التزامن الواضح بين التشدد الأمني والمستجد ضد السجناء لتحطيم معنوياتهم وكسر صمودهم وإخراجهم من دائرة الفعل، وبين الدعايات المسمومة والكتابات الساقطة (المعروفة المنهل والأهداف)، التي حاولت تشويه سمعة الإعلان والنيل من أهدافه، والتطاول على القائمين على عمله ونشاطاته بتقولات وادعاءات مخزية لأصحابها. لأن التاريخ الكفاحي المشرف لمناضلي الإعلان، لا يحتاج إلى شهادة من أحد، فهو معروف من أبناء شعبنا حق المعرفة، وقد خبروه واختبروه. وهو أعلى من أن تطاله ألسنتهم وغبارهم. وليس رياض سيف ورياض الترك وبقية قادة إعلان دمشق إلا نماذج ناصعة في هذا الموقع.
ولم يكن غريباً أن يتمسك الصاعدون إلى الحرية في دخولهم وخروجهم بالإعلان ورسالته كمشروع وطني بغض النظر عن الهفوات والأخطاء والثغرات التي ينتجها العمل وشروطه القاسية. فالإعلان ليس رسالة سماوية، والمنخرطون في مهامه ليسوا ملائكة ولا هم خارج النقد، ولن يتوقف التاريخ عند أحد. فسورية الحبيبة غنية برجالها وجديرة بأبنائها البررة. ولن تعدم الذين يرون مستقبلها، ويجتهدون في تمهيد الطريق للوصول إليه. وتبقى حاجة البلاد المزمنة إلى الحرية والتغيير الديمقراطي الموَّلد الأكبر لحركات التغيير وخطوات الإصلاح والمشاريع الوطنية الجامعة، التي تدفع باستمرار موجات من النخب الثقافية والسياسية والفعاليات الاجتماعية، لرفد العمل العام، والتصدي لتلك المهمة.
* * *
استقبلت القوى الوطنية الديمقراطية والأوساط الثقافية والاجتماعية وتلك التي تعنى بالحريات العامة وحقوق الإنسان خروج قادة إعلان دمشق بترحاب كبير وابتهاج ظاهر. عبرت عنه بأساليب عدة، واعتبرته خطوة باتجاه استعادة البلاد لعافيتها الوطنية وتوازنها السياسي، لما يمثله هؤلاء في محيطهم ومجتمعهم وفي الفضاء السياسي السوري. وليس لدينا فرحة أكبر إلا حين يكتمل خروج بقية القافلة معززين مكرمين مثل أقرانهم. ويتم إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، ويغلق إلى الأبد سفر الاعتقال السياسي.
سيذكر التاريخ بكثير من الإجلال والتقدير تضحيات الذين صعدوا إلى الحرية في طول البلاد وعرضها، ويثمن جهودهم وتضحياتهم، على طريق صعود الوطن السوري الحبيب بأكمله إلى الحرية من جديد.




















