في الوقت الذي لم يتبق فيه سوى شهر واحد تقريبا على انتهاء السنوات الثماني لادارة الرئيس الامريكي جورج بوش والتي تعهد خلالها اكثر من مرة بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب اسرائيل، او بالتوصل الى اتفاق سلام بين اسرائيل والفلسطينيين، او على الاقل الاتفاق حول وثيقة او مسودة اتفاق للتسوية بشأن القضايا النهائية لتحديد افق الحل، فإنه لم يعد ممكنا عمليا التوصل الى اي من هذه الوعود ولو في صورتها الادنى.
ومع ان هناك العديد من الاسباب التي ادت في الواقع الى هذه النتيجة او ساهمت على الاقل في الوصول بعملية السلام في الشرق الاوسط الى حالة الجمود ان لم يكن الموت السريري – كما يقول الاطباء – الا ان السبب الاكبر من بينها يعود في الحقيقة الى المواقف التي اتخذتها الادارة الامريكية من عملية السلام بوجه عام، وحيال السلوكيات والممارسات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين بوجه خاص، وهي مواقف لم تشعر معها اسرائيل سوى بأنها مطلقة اليد في القيام بما تشاء وعلى النحو الذي تراه لتحقيق مصالحها هي بغض النظر حتى عن المصالح الاميركية ذاتها في المنطقة.
وقد يكون هناك من يجادل او يشير الى ان واشنطن حاولت كثيرا تحريك عملية السلام وانها عقدت مؤتمر انابوليس في نوفمبر من العام الماضي، كما ان وزيرة الخارجية الامريكية قامت بأكثر عدد من الزيارات والجولات قام بها وزير خارجية امريكي للمنطقة حتى الان، وان الرئيس الاميركي هو من تحدث بوضوح عن الدولة الفلسطينية الى جانب اسرائيل.
نعم كل هذا صحيح، غير ان الصحيح ايضا هو ان اسرائيل لم بقناعة اميركية عميقة وقوية لدفع عملية السلام نحو الحل العادل الذي يمكن ان تضطر معه اسرائيل الى التخلي او الانسحاب من الاراضي التي احتلتها عام ،1967 سواء في فلسطين او الجولان او الاراضي اللبنانية التي مازالت تحتلها .
ومن ثم لم تجد اسرائيل انها مضطرة الى الاستجابة او الى فتح الطريق واتاحة الفرصة لتسوية عادلة. وبدلا من ذلك، وبعد ان حصلت من ادارة بوش على ما كانت تريد واكثر آثرت تأجيل الحل الى الادارة الجديدة للحصول على مزيد من المكاسب من الولايات المتحدة وكسب مزيد من الوقت لقضم مزيد من الاراضي وتحويل الدولة الفلسطينية المزمع اقامتها الى مخلوق مسخ غير قادر على الحياة خارج دعم واجهزة غرفة الانعاش.
على أية حال فإن العودة الاميركية بعملية السلام في الشرق الاوسط الى مجلس الامن الدولي، ومحاولة تنشيط اللجنة الرباعية الدولية لن تترتب عليها في الواقع نتائج ملموسة لسبب اساسي هو ان الادارة الاميركية الحالية تلملم اوراقها والادارة الجديدة – ادارة اوباما – تستعد لممارسة مهامها وستحتاج بالضرورة الى وقت غير قليل حتى تتحرك بفاعلية في الشرق الاوسط، لان هناك ما هو اهم واكثر الحاحية بالنسبة لها وهو الوضع الداخلي في الولايات المتحدة وتداعيات الازمة المالية .
اما اسرائيل فإنها تنتظر الانتخابات العامة في فبراير المقبل، ثم تشكيل الحكومة الجديدة وما ستقوله او تقوم به بالنسبة لعملية السلام.
جدير بالذكر انه حسنا عملت جامعة الدول العربية التي بعثت الى الرئيس الامريكي المنتخب باراك اوباما تؤكد على رغبة العرب في السلام العادل والشامل وعلى المبادرة العربية التي تقدم بالفعل فرصة لاسرائيل للتوصل الى تسوية سلمية شاملة وتاريخية ايضا .
ولكن الامر في النهاية سيتوقف بدرجة كبيرة ليس فقط على ما يمكن ان تقوم به ادارة اوباما حيال عملية السلام، ولكن ايضا على ما يمكن ان تقوم به وتصل اليه حكومة اسرائيل القادمة بالنسبة للمبادرة العربية والسير على طريق الحل في اطارها.
ومن المؤكد ان الامر يحتاج الى قرارات عملية شجاعة وملموسة تتضمن الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي التي احتلتها اسرائيل عام 1967 . واذا كان ذلك يحتاج بالضرورة الى حكومة اسرائيلية قوية، فإن الامر سيظل مرهونا بنتائج الانتخابات الاسرائيلية القادمة وتوجهات الحكومة الجديدة، والمؤشرات تكاد تكون غير مشجعة للاسف الشديد.




















