نصير الأسعد
سيكون العام المقبل 2009 "عام العدالة"، أو بكلام أدقّ عام إنطلاق العدالة. وهذا ما تعنيه التطورات الأخيرة على صعيد التحقيق والمحكمة الدوليَين، سواء ما يتّصل بتحديد الأول من آذار المقبل موعداً لبدء المحكمة الدولية أو ما يتعلّق بالفترة الانتقالية من الآن حتى الأول من آذار حيث تستكمل خطوات الانتقال الى لاهاي في هولندا.
لكن هل يكون العام 2009 "عام السلام" أيضاً كي تمكن تسميته "عام العدالة والسلام" معاً؟
القرار 1850.. والتوافق الدولي
مساء الثلاثاء الماضي، صدر عن مجلس الأمن الدولي القرار 1850 الذي يقضي بوضع عملية السلام في الشرق الأوسط في عهدة "السلطة التنفيذية" للأمم المتحدة.
وهذا القرار الذي يعلن في واقع الأمر تجديد دينامية العملية السلمية الإقليمية، ويحدّد "صيغة" تجديد تلك الدينامية بـ"مؤتمر دولي" يعقد في العاصمة الروسية موسكو، إنما يرتكز الى نقطتين محوريّتَين.
الأولى، توافقٌ وتعاون دوليان على رعاية عملية سلمية متجدّدة، يذكّران بالتوافق الأميركي ـ السوفياتي الذي أنتج "مؤتمر مدريد" للسلام في خريف 1991، ويؤكدان حقيقة أن لا "حرب باردة" على الصعيد العالمي تنعكس على المنطقة.
المبادرة العربية نقطة الإرتكاز
والثانية، هي المبادرة العربية للسلام "الآتية" في أصلها من خادم الحرمَين الشريفَين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، والمتبنّاة في قمة بيروت عام 2002، والمؤكدة في قمة الرياض 2007 بوصفها "الاستراتيجية العربية".
واللافت في الأمر أن القرار 1850 إذ يصدر على مسافة نحو شهر فقط من تسلّم الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما وإدارته الجديدة "مقاليد" البيت الأبيض، إنما يفيد أن ثمة تصميماً لدى الحكم الأميركي الجديد على مباشرة الولاية بـ"سلام الشرق الأوسط" وعلى إعطاء مسألة السلام الأولوية. وكذلك، إذا كان "مؤتمر مدريد" للسلام في العام 1991 أتى بحصيلة توافق دولي "بدأ" بالتحالف الدولي لتحرير الكويت من الغزو العراقي، فإن "المؤتمر الدولي" الجديد يبدو لاحقاً على أو متزامناً مع تطوّر إقليمي قد يكون تسويةً أو مواجهةً في منطقة الخليج الإقليمية.
المحكمة الدولية من "خيار" الى "قدر"
في هذا السياق، وإذ يُفترض أن الانتخابات النيابية المقبلة تجري بعد ثلاثة أشهر من بدء أعمال المحكمة الدولية وعلى مسافة غير محدّدة قبل أو بعد المؤتمر الدولي في موسكو، لا بد من الإشارة الى أمرين رئيسيَين.
الأول، هو أن المحكمة الدولية التي "كانت" خياراً بالنسبة الى 14 آذار حتى إقرارها في مجلس الأمن تحت الفصل السابع بالقرار 1757، هي اليوم "قدرٌ لا رادّ له"، أي باتت مسألة محسومة ومبتوتة.
خيار السلام الإقليمي
أما الثاني فهو أن على 14 آذار أن تؤكد أن السلام الإقليمي خيارها، وأن تخوض الانتخابات على أساس أن السلام في المنطقة خيارها. لماذا؟
لأن 14 آذار تنتسب الى الشرعيّتَين العربية والدولية، وتدعو الى الالتزام بقراراتهما وبمرجعية هذه القرارات.
ولأنها ترى أن مكان لبنان ـ الدولة هو النظام العربي، نظام الشرعية والمصلحة العربيتَين.
ولأنها تلتزم ودعت الى التزام الدولة بالاستراتيجية العربية المجسّدة في المبادرة العربية للسلام.
تحييد لبنان وسلامُه بالـ1701
ولأن 14 آذار طرحت معادلةً واضحة تقول إن تحييد لبنان عن صراعات المنطقة هو مصدر سلامه.. أي التحييد والسلام صنوان. بل إن تحييد لبنان لا يعني إلا إنخراطه ضمن النظام العربي في مشروع للسلام الإقليمي. إن تحييد لبنان يتحقّق بالقرار الدولي 1701. وسلامُه يتحقق بتطبيق هذا القرار من جهة وبسلام إقليمي مرتكز الى مبادرة السلام العربية المرتكزة هي نفسها الى قرارات الشرعيّتَين الدولية والعربية من جهة اخرى.
.. ولأن 14 آذار ترى أن السلام الإقليمي لا يُعتبر متحققاً إلا بالاستقلال الفلسطيني وبقيام دولة الاستقلال الفلسطيني. وإنّ دعامة إستقلال لبنان ودولة الإستقلال اللبناني هي في سلام يُنتج دولة فلسطينية مستقلة.
إن على 14 آذار ان تُشهر خيارها في أن يكون العام 2009 "عام العدالة والسلام". وأن تُشهر خيارها في أن تكون الشرعية اللبنانية المنبثقة عن الإنتخابات ملتزمة بالعدالة والسلام معاً.
الخلاف مع "حزب الله": المشروع العربي للسلام
اليوم، تجري في الضاحية الجنوبية لبيروت تظاهرة شعبية دعا إليها الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله للإحتجاج على حصار غزة والمطالبة بفكّه.
ليس ثمة خلافٌ بين 14 آذار و"حزب الله" بشأن الظلم والعدوان الاسرائيليَين اللذين يتعرّض لهما القطاع وأهله. لكن ثمة خلافاً سياسياً بين 14 آذار و"حزب الله" حول الخيارات السياسية.
14 آذار مع القضيّة الفلسطينية مستندة الى وحدة الشعب الفلسطيني وقواه ومؤسساته… مع وحدة نضاله… مع عدم التدخل في شؤونه. أما "حزب الله" فمع جهة فلسطينية محدّدة… مع "إختبارات" تعرّض الوحدة الفلسطينية لأخطار شتّى… مع "الأستذة المقاوِمة" على الفلسطينيين.
14 آذار مع "المدى العربي" للقضيّة الفلسطينية مجسّداً في المبادرة العربية للسلام التي أيدتها الأطر الشرعيّة الفلسطينية والحوارات الوطنيّة والاتفاقيّات الفلسطينية سابقاً. و"حزب الله" لا يعترف بهذا "المدى العربي" ويهاجمه بإستمرار.
14 آذار مع أفضل العلاقات الفلسطينية ـ العربية. ولا يعتبر أن ثمة مصلحة للفلسطينيين في أن تمر القضية الفلسطينية بـ"صدامات" مع الشرعية العربية ونظامها، و"حزب الله" في "محور" آخر…
إذاً في الجانب "الإنساني"، ليس من خلاف على ان أهل غزة يتعرّضون لحصار إسرائيلي عدواني موصوف. لكن الخلاف عميق جداً حول الخيارات… المرحليّة والإستراتيجيّة.
14 آذار تنتسب الى سياسة أخرى
لذلك، فإعتباراً من اليوم إذ "يبدأ" حزب الله تحرّكه، على 14 آذار ان تُشهر إنتسابها الى سياسة أخرى… الى سياسة عربية تنهض على مبادرة السلام بأفقها الدولي المتجدّد. فكما انّ لبنان ليس "حزب الله"، كذلك فلسطين ليست "حماس". وكما في لبنان، لا بد أن يكون "حزب الله" جزءاً من كلّ، جزءاً من الشرعيّة والدولة، كذلك في فلسطين لا بدّ أن تكون "حماس" جزءاً من كلّ. وخروج الجزء من الكل وعنه، هو ما يتيح للعدوّ أن "يتسلّل" مستهدفاً الكلّ.. الشعب والسلطة والدولة.




















