إذا ارتفعت أسعار النفط سخط المستهلكون الكبار، واعتبروها تدميراً للاقتصاد العالمي وذبحاً للفقراء، وضاعفت هذه الأسعار من البحث عن بديل وسط تكتل دولي للدول الرئيسية، وإذا انخفضت اعتبروا ذلك تصحيحاً لحالة غير طبيعية لصعودها، وقبل عدة أشهر عندما تضاعفت أسعار النفط قريباً من مائة وخمسين دولاراً، ولولوا، وجاءت المطالبات بمضاعفة الإنتاج لتتوازن الأسعار، وسط مضاربات كانوا من يجنون الأرباح أكثر من المنتجين، مع أن كل الدول المصدرة وصلت إلى أعلى طاقات إنتاجها، وسط سوق جائعة ونهمة.
الآن وأسعار النفط دون أدنى مستوياتها، تحاول الدول النفطية، بتخفيضاتها المتتالية، والتي وصلت إلى أربعة ملايين ومائتي ألف برميل في اليوم، وهو الأدنى منذ عدة سنوات، أن توازن بين الطلب والأسعار، لأن كلفة التشغيل والإنتاج ومشاريع التطوير التي نشأت عن حاجة المستهلكين فرضت الصرف ببلايين الدولارات على تلك المشاريع والتي لا يمكن تعويضها في حالات النزول الحاد لأسعار النفط، إلا بعد أزمنة طويلة..
هناك من خطّأ (أوبك) بهذه الإجراءات وفق رؤية أن إيجابيات هذا الانخفاض سوف تساعد على تحسين السوق العالمي، وأن التخفيضات الراهنة سوف لا تستطيع العودة للسوق مرة ثانية لاعتبارات العرض والطلب، وهو تناقض في الفكر والقول غير أن المنطق يفترض عملاً دولياً لا يقوم فقط على تضحيات الدول المنتجة من أجل أسواق خاسرة، وبفعل سياسات لم تراع الوضع الذي حدث وتسبب في سقوطٍ وانهيارات لكل دول العالم..
فأميركا مثلاً، لا يُقيّد طبعها وتسويقها لدولارات جديدة أي عائق على اعتبار أن عملتها لا تتقيد بغطاء الذهب أو سلة عملات أو أي معدن آخر، وبالتالي عندما تدنت أسعار الدولار، ذهب المضاربون للنفط، وعندما انخفضت أسعاره ذهبوا للدولار، ومع هذا لو جاء التعاون متزامناً بعمل دولي تتساوى فيه الحصص والالتزامات، وتحكمه أطر لا تحتكر الأدوار والمهمات وتخرج وحدها الكاسب من هذه الحالات، فإن الدول المنتجة، لو وجدت التزامات مقيّدة بعقد قانوني، فإنها لن تقف خارج الدائرة الدولية في أي تعاون كان.
لكن حينما تتدهور الأسواق ونشهد من يركض للدول المنتجة ويحاول الضغط بإرسال فوائضها النقدية لصندوق النقد الدولي أو للدول المحتاجة، فإن الوضع يصبح مقلوباً إذ أن دول النفط لم تعد تتعلم في مدارس مكافحة الأمية من أجل التضحية بمصالحها، وهي في حال محاولات تعديل أسعار النفط وتخفيض المخزون في السوق العالمي، تتحرك من أفق سياسات تلتقي مع تطلعاتها وأفكارها، وهذا ما جعل المهمة معقدة وسط تفاعل سلبي بين المنتجين ، والمستهلكين لتعلّق المسؤوليات على الدول النفطية، وهو الرأي السالب في مفهوم أن هذه السلعة تخضع كغيرها للعرض والطلب وكل تقلبات السوق..




















