نيويورك – راغدة درغام
قد تكون متأخّرة وتبدو وكأنها حسن الوداع لإدارة جورج بوش، إلا أن المبادرة الأميركية لاستصدار القرار 1850 لمجلس الأمن بشراكة مع روسيا لم تأت بعد فوات الأوان. فهذا القرار يصحح الإعوجاج في الدعوات التي تنهال على إدارة الرئيس المنتخب باراك أوباما والداعية الى اعطاء الأولوية للمسار السوري من المفاوضات، وذلك بتركيزه على الشق الفلسطيني من عملية السلام. وأحد أهم جوانب صدور القرار في أواخر عهد بوش هو أنه يعطي عهد أوباما، في مطلعه، زخماً يمكن له البناء عليه بدل الخوف من وصول بنيامين نتانياهو الى رئاسة حكومة اسرائيل لينسف العملية السلمية برمتها. متأخرة قد تكون مبادرة دول عربية الى ابلاغ الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائداً ألمانيا معارضتها تقديم تنازلات تعزز الدور الاقليمي لايران مكافأة لها إذا تعاونت في تجميد تخصيب اليورانيوم وفي لجم طموحاتها النووية، انما توقيتها ليس هدراً. فإدارة باراك أوباما ستنصب على صوغ شراكات أمنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وهي ستهتم كثيراً بما من شأنه أن يرضي ايران التي ستخاطبها إدارة أوباما ربما على أعلى المستويات. وعليه، من المفيد جداً أن تتحرك دول عربية رئيسية لإبلاغ الإدارة الأميركية المقبلة إصرارها على أن تجلس الى طاولة المحادثات إذا كان الحديث عن الأمن الاقليمي وأن ترفض مكافأة ايران على تنازلات نووية بمباركة هيمنتها الاقليمية. هذا التحرك الملحوظ لدول عربية يبعث رسالة مهمة الى واشنطن عنوانها الاصرار على «نحن هنا»، في موضوع النزاع العربي الاسرائيلي عبر المبادرة العربية للسلام، وفي موضوع الأمن الاقليمي عبر آلية اجتماعات تضمن الوجود العربي كي لا يقتصر صنع الأمن الاقليمي على الدول الخمس وإيران في رزمة المكافآت السياسية مقابل التنازلات النووية لإيران.
وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس يعتبر الامتداد ما بين الإدارتين وهو يشارك عملياً في هندسة التصور لأمن منطقة الخليج والشرق الأوسط. وأثناء مشاركته الاسبوع الماضي في «حوار المنامة» حول الأمن الاقليمي، قال غيتس إن مفهوم «الشراكات والتعاون يجب ألا يكون نادياً محصوراً، وانما يجب أن يضم أكبر عدد من دول المنطقة». وأضاف في رده على صاحبة هذا المقال: «لا أنظر الى ايران بأن تكون المسيطرة / المهيمنة بل اعتقد أن الولايات المتحدة وأصدقاءنا وحلفاءنا في المنطقة يمثلون معاً رادعاً رئيسياً ومهماً لردع النشاطات الايرانية».
غيتس يتحدث بلغة لجم التوسع والتدخل الايراني وهو يطرح تساؤلات على نسق: «لماذا يملك حزب الله صواريخ أكثر من التي يملكها معظم الدول في المنطقة»، مشيراً الى تزويد ايران «حزب الله» بهذه الصواريخ. ويتساءل: «لماذا تبذل ايران الجهود لضرب استقرار حكومة العراق وتبذل الجهود لتقويض الاتفاقية الأمنية (حول وضع القوات الأميركية في العراق)؟» يقول إن ايران «تتدخل في غرب افغانستان»، وأن نشاطاتها مقلقة في نطاق «الصواريخ والبرامج النووية». ويتساءل: «ما هي طبيعة هذه النشاطات وما هي الأهداف الايرانية؟».
تساؤلات غيتس في غاية الأهمية، وكما قال لصاحبة هذا المقال «لسنا وراء تغيير النظام في ايران. اننا نسعى وراء تغيير السياسات وأنماط التصرفات كي تصبح ايران جاراً جيداً بدلاً من مصدر للعنف واللااستقرار في المنطقة». ما يريده ليس وضع الحل العسكري في أعلى قائمة الخيارات وانما وضع «العمل الجماعي – عبر الضغوط الاقتصادية والديبلوماسية» في مقدمة الجهود من دون سحب الخيار العسكري عن الطاولة. يريد لدول المنطقة أن تفكر ملياً وبعمق في معنى الأمن الاقليمي ومتطلباته، أكان نحو العراق أو نحو ايران.
ومن هذا المنطلق، هناك تداخل بين الأفكار التي يتحدث عنها غيتس وتلك الواردة في أذهان بعض القيادات العربية، بما فيها في منطقة الخليج. انما هناك حاجة الى الكثير من الأخذ والعطاء، في اطار صوغ التعاون وهندسة الشراكات في نظام أمني اقليمي جديد.
فعلى سبيل المثال، توجد حاجة الى أدوار عربية أوسع وأعمق وأكثر تماسكاً في العراق كي لا تكون الساحة العراقية عرضة للتأثير الايراني فيها حصراً. صحيح أن هناك دولاً عربية تتخذ خطوات نحو العراق أكثر من الماضي، ديبلوماسياً وسياسياً وبإمدادات ومساعدات مختلفة. انما اليوم، ومع مطلع ادارة باراك أوباما، يجدر بدول عربية رئيسية، مثل المملكة العربية السعودية، أن تكون وضعت استراتيجية متماسكة ومفصّلة حول ما تراه في مصلحة العلاقة العربية مع العراق وفي مصلحة العراق عربياً، وكذلك حول نوعية الحديث الأميركي – العربي في شأن العراق. فأمن العراق جزء أساسي من معادلة الأمن الاقليمي وفي معادلة التعاطي مع طموحات ايران الاقليمية.
الاجتماع الذي عقد في مقر الأمم المتحدة هذا الاسبوع وضم وزراء خارجية وممثلين عن الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا (5+1) الذين يتناولون ملف ايران النووي مع وزراء خارجية وممثلي أربعة من اعضاء مجلس التعاون الخليجي (السعودية والإمارات والبحرين والكويت) وكذلك وزراء خارجية وممثلين عن العراق ومصر والأردن (6+3)، قد يشكل نواة آلية لاستمرار المحادثات بين المجموعتين في ملف ايران ببعدي الطموحات النووية والتطلعات الاقليمية.
مقاطعة عمان وقطر للاجتماع السابق جاءت على أساس الاعتراض على عدم توجيه الدعوة الى ايران للمشاركة في بحث الأمن الاقليمي لكونها دولة معنية يجب أن تكون موجودة في هذه المحادثات، بحسب قول وزير خارجية عمان يوسف بن علوي الى «الحياة» في المنامة. بالطبع لإيران دور في المحادثات الدولية في شأن الأمن الاقليمي، كما لتركيا ولاسرائيل، وكذلك باكستان اذا كان الكلام عن الشرق الأوسط الأوسع. لكن اجتماع نيويورك لم يكن عن ذلك، وهنا ربما لم تكن مقاطعة عمان وقطر للاجتماع موفّقة.
فهدف اجتماع نيويورك كان بكل بساطة أن يقال للدول الخمس زائداً المانيا إن اعطاءها دوراً اقليمياً لإيران في اطار الرزمة التي تقدمها هذه الدول في المسألة النووية «ليس عنصراً تفاوضياً» عند الدول العربية التي تعارض أن تكون تنازلات الدول الخمس والمانيا الى ايران في شكل دور اقليمي لها في منطقة الخليج. والدول الخمس أخذت علماً بقلق الدول الخليجية من هيمنة ايران على المنطقة. وعليه فهذا الاجتماع مفيد ومن الضروري أن تكون هناك استمرارية له. وإذا كانت ايران راغبة في أن تكون طرفاً في المناقشات الاقليمية – الدولية حول أمن المنطقة، فالدول العربية والخليجية ترحب بذلك، بل تريده. وللتذكير، ان الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن جاهزة للتحدث مع ايران جماعة وأفراداً حالما توافق ايران على تنفيذ قرار مجلس الأمن الداعي الى مجرد «تعليق» تخصيب اليورانيوم، لا أكثر.
حتى إذا كانت ايران راغبة فقط في بحث أمن الخليج ثنائياً مع الولايات المتحدة – حسبما يبدو – من المفيد للدول العربية أن تمضي في استراتيجية «نحن هنا» و «لنا رأي» في مسألة الأمن الاقليمي. وكما قال وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، غريب اصرار ايران على انتزاع الاعتراف الدولي بدورها الاقليمي، ومن الضروري أن تبقى الدول العربية في حال تأهب ذهني وسياسي وديبلوماسي واقتصادي لمتطلبات إنشاء التوازن أو لردع الطموحات الايرانية بالهيمنة الاقليمية وذلك بتوظيف الأوضاع الاقتصادية المواتية لصوغ جديد في موازين القوى الاقليمية. وهناك مؤشرات على انصباب دول رئيسية على رسم هذه التوجهات، ومن المفيد لواشنطن أوباما أن تستمع وتصغي جيداً.
هذه الدول تدرك تماماً أهمية إبراز العلاقة بين أمن الشرق الأوسط وأمن الخليج، وبالذات بين إفرازات انهيار السلطة الفلسطينية والعملية السلمية على قوى الاعتدال وعلى أمن منطقة الخليج كافة. وهذه رسالة يجب على ادارة أوباما أن تصغي اليها جدياً. فانهيار السلطة الفلسطينية يهدد الأمن في كامل المنطقة، وانتصار «حزب الله» في لبنان يغير المعادلات الأمنية ويعطي ايران قاعدة قوية – عسكرية بكل الأحوال. وكل ذلك الكلام السخيف عن ترغيب سورية بالانفصال عن ايران وترغيبها بتحطيم «حزب الله» في لبنان لأن ذلك في مصلحة عودة الهيمنة السورية على لبنان، انما هو كلام توحي به اسرائيل ويتلقاه الساذجون في كل مكان. ولذلك يتحمسون لإرضاء دمشق بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك عبر إقناع ادارة أوباما بأولوية وسهولة المسار السوري من المفاوضات، وكذلك وعود القفز على العدالة المتمثلة في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لمحاكمة الضالعين في الاغتيالات الارهابية السياسية وفي مقدمها اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري.
حقيقة الأمر هو ان لا حل في منطقة الشرق الأوسط غير الحل القائم على اولوية المسار الفلسطيني من المفاوضات. وهذا ما أكد عليه القرار 1850 الذي تبناه مجلس الأمن هذا الاسبوع في جلسة علنية شاركت فيها وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
هذا القرار ركز على فلسطين أولاً، ودعم المبادرة العربية للسلام التي تنطوي على الاعتراف العربي بإسرائيل مقابل انهائها الاحتلال، فيصبح بذلك حل الدولتين حل الـ23 دولة. وشدد على دعم السلطة الفلسطينية ودعا الى وقف الاجراءات التي تستبق نتائج المفاوضات. أهم ما فعله هذا القرار هو وضع المسألة الفلسطينية والعملية السلمية في عقر دار مجلس الأمن على عكس المواقف الاميركية السابقة التي أصرت على إبعاد هذا الملف عن المجلس حماية لاسرائيل من الضغوط الدولية.
كل هذا ربما جاء متأخراً في ولاية جورج بوش وكأنه قرار الاعتذار، علماً بأن قرار انشاء دولة فلسطين الى جانب دولة اسرائيل جاء ايضاً بمبادرة أميركية في عهد بوش، صاحب رؤية قيام الدولتين. ولكن، ليس بوش وحده الذي يسرع الى ترك إرث للإدارة المقبلة في الايام الأخيرة من إدارته. هكذا فعل بيل كلينتون عندما استفاق في السنة السابعة من حكمه ولهث وراء إرث سياسي في الشرق الأوسط. وبعدما تلقى بوش أسس الحل من كلينتون تحرك بسرعة الى رؤية الدولتين، لكنه واجه فوراً تلك القوى الخفية في صنع السياسة الاميركية والتي فرضت عليه التراجع تدريجاً عن خطابه الشهير حين طالب اسرائيل بإنهاء الاحتلال ثم اقنعته بأن في وسعه شن حرب العراق من دون معالجة النزاع العربي – الاسرائيلي.
هكذا ستفعل هذه القوى الخفية نفسها مع باراك أوباما اذ ستضع استراتيجياتها المتعددة لمنعه من التفكير بأن هناك حاجة ملحة لحل هذا النزاع وان أفضل ما يمكن له ان يقوم به هو ادارة العملية السلمية حتى حين آخر. وقد يكون هذا ما قامت به وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني فنطقت بحقيقة تفكير القيادات الاسرائيلية، حقيقة العزم على الطرد الجماعي لفلسطينيي اسرائيل كثمن لقيام دولة فلسطين مكان الاحتلال.
هذا هو التحدي الأكبر ويجب على باراك أوباما والشعب الأميركي ان يتنبهان الى خطورته لأن الطرد الجماعي ليس سوى تطهير عرقي. وعلى كل من يقول إن ذلك مستحيل في عصرنا اليوم، ان يتذكر أن التنظيف العرقي حدث في العقد الماضي في عقر أوروبا في يوغوسلافيا السابقة. ولذلك، يجب ألا تمر تصريحات ليفني مرور الكرام وانما يجب التدقيق في السياسات التي تمنع اسرائيل من ارتكاب هذه الجريمة من دون عقاب.
أما الدول العربية فلا يكفي لها أن تسوّق اليوم المبادرة العربية للسلام بعدما تأخرت 6 سنوات على تسويقها. عليها أن ترسم استراتيجية ترافق الاستراتيجية السلمية تقوم أساساً على منع اسرائيل من حل مشكلتها الديموغرافية من خلال الطرد الجماعي للفلسطينيين أو من خلال استغلال غير مشروع لحل الدولتين برعاية دولية.
"الحياة"




















