يقف جاك دريدا كحالة فريدة متميزة بين المفكرين البنائيين الفرنسيين المعاصرين. حقق شهرته الواسعة في سنوات قليلة نسبياً وبأعمال هي في معظمها مقالات أو مقابلات تدور في الأغلب حول كتابات وآراء غيره من المفكرين والفلاسفة والأدباء، وذلك الى جانب ثلاثة أو أربعة كتب ظهرت له عالج فيها بعض الموضوعات الفريدة الشائقة كما هو الشأن في كتابه حول "البطاقات المصورة".
جاك دريدا هو الوحيد من بين المفكرين البنائيين الذي تعرّض بالنقد والتحليل وأحياناً بالتجريح لكتابات زملائه. فلم يسلم من نقده الأربعة الكبار الآخرون: جاك لاكان وميشيل فوكو ورولان بارت، بل وزعيمهم وكبيرهم جميعاً كلود ليفي شتراوس، فهو بذلك يمثل اتجاهاً جديداً ومهماً داخل المدرسة البنائية أصبح يُطلق عليه إسم "ما بعد البنائية"، كما أصبح هو نفسه يمثل "الولد الشقي" في الفكر الفرنسي المعاصر.
دريدا والفكر العربي المعاصر
ثمة سؤال يجابهنا: كيف تعامل الفكر العربي والمفكرون العرب مع تيارات الفكر المعاصر، ومنها فلسفة الاختلاف ومنهج التفكيك لدى جاك دريدا الذي امتلأت بكتاباته ساحة الفكر العربي، وانشغلت الثقافة العربية في نقل معالم هذه التيارات المختلفة، وكتابات أعلامها، والكشف عن نصوصها المعروفة والمجهولة، ونقد بعضها لبعض، وتطبيق أدواتها ومناهجها على مجالات ومراحل وبدايات الفكر العربي.
يشير الدكتور أحمد عبدالحليم عطية الى أن الثقافة العربية عرفت دريدا، وتُرجم عدد من نصوصه، ووضعت الكثير من الدراسات حوله وشروح عليه للتعريف بفلسفته وتطبيق منهجه، سواء في الفلسفة أو النقد الأدبي أو السوسيولوجيا. وقد نهضت بهذا الجهد أسماء لامعة من الباحثين وأساتذة الجامعات والمفكرين العرب من أقطار عربية عدة، بحيث يمكننا القول أن صاحب هوامش الفلسفة قد أصبح جزءاً من متن النص الفلسفي العربي المعاصر، وانتقلت فلسفته من الغياب الى الحضور وتحوّلت أفكاره من المسكوت الى المعلن عنه، ومن اللامفكر فيه الى المنقول منه.
ومن أبرز المفكرين العرب الذين اتبعوا منهج دريدا التفكيكي: عادل عبدالله وكاظم جهاد وعبدالكريم الخطيبي وعبدالسلام بنعبد العالي ونور الدين أفاية وعلي أومليل وفتحي التريكي ومحمد أركون ومطاع صفدي وعبدالعزيز بن عرفه وعلي حرب وأسامة خليل الذي تعمّق في دراسة دريدا وقدّم قراءة عربية للبعد الكتابي في فكر دريدا.
وفي النقد الأدبي التفكيكي يبرز: عبدالله الغذامي وعبدالله ابراهيم وعلي الشرع وجابر عصفور وسعيد البازعي.
التفكيكية والجنون
بدأ دريدا بالتمرد على البنيوية، وهي حاولت من الناحية الفلسفية أو تبتعد بشكل متطرف عن الذاتية الإنسانية التي تتسم بها الوجودية، وعن الموضوعية المتطرفة التي تتسم بها الوضعية المنطقية. ويؤكد عبدالوهاب المسيري أن البنيوية قد وجدت ضالتها في مفهوم البنية، فالبنية ليست ذاتية أو موضوعية. ويرى دريدا أن البنيوية ما هي إلا حلقة في سلسلة طويلة من البنيويات المختلفة، على استعداد أن ترد ذاتها الى نقطة حضور واحدة أو مركز أو أصل ثابت. "وهدف هذا المركز لم يكن تحديد اتجاه البنية أو توازنها أو تنظيمها، وإنما الهدف منه وضع حدود على لعب البنية".
ها هو دريدا فيلسوف الشك والتفكيك يخبرنا بيقين عميق أنه يؤمن إيماناً لا يتزعزع ببعض الثوابت ولكنه، يقول المسيري: "قبل أن يفعل ذلك، ينبّهنا الى أنه سيتلو علينا ما يسميه شهادة إيمان أستاذ يعمل وكأنه يطلب منكم الإذن بأن يكون خائناً أو غير وفيّ بعاداته".
وجوهر رسالة دريدا الإيمانية الجديدة هو أنه ينبغي للجامعة الحديثة أن تتمتع بحرية غير مشروطة. فالجامعة هي صاحبة الحق المبدئي في التفكيك كحق غير مشروط وفي قول كل شيء. وهكذا، كما يرى المسيري، يتحوّل التفكيك الى نقطة ثبات ميتافيزيقية، الى حضور وتمركز حول اللوغوس أو كما يقول دريدا نفسه: "وبهذا يكون للتفكيك، ولا أستحي أن أقول ذلك وأطالب به، موقعه المتميز في الجامعة وفي العلوم الشاملة كموقع للمقاومة التي تضم الجميع".
إن استراتيجية دريدا من دون غاية وتفكيره لا هدف له، وذلك أشبه بالجنون. ويتساءل المسيري هل يقوم دريدا بتفكيك خطابه بنفسه بادعائه أن ما يُقال هو مجرّد جنون وهذيان فيستعصي تفكيكه على الآخرين؟
ويتحدث دريدا عن العاقل المجنون، أو العاقل الذي يدّعي الجنون أو المجنون الذي يدّعي العقل، فيؤكد أنها استراتيجية من دون اتجاه. فلو عرفت الاتجاه لما ذهبت إليه، فهو يهتم بالمستحيل ولا يهتم بالممكن، إذ ما قيمة تحقيق شيء ممكن؟
دريدا وفلسفة التفكيك
إن التفكيك لا يُعد، في الواقع، مذهباً ولا يشكل نسقاً متكاملاً أو رؤية عامة تقوم على ثوابت محددة. وهو وإن كانت تنسب أبوته الى الفيلسوف الألماني المعاصر مارتن هيدغر، بفعل التماثل بين مفهوم "النقض" ولفظة التفكيك، فانه في نظر محمد علي الكردي، بعيد كل البعد عن تشكيل رؤية فكرية عميقة أو شق طريق فلسفي جيد، كما راق ذلك الى هايدغر.
ان دريدا مثله مثل جيل دولوز ينتمي الى طائفة فلاسفة الاختلاف، والاختلاف المطروح ها هنا يقول الكردي: هو "محاولة يائسة للخروج من دائرة النسق الذي شكّله وبناه اعظم الفلاسفة المثاليين الألمان، وهو هيغل". ويشهد لهذا الأخير بأنه خاتم الميتافيزيقا الغربية، بحيث لا مجال بعده الا لاكتشاف وارتياد دروب جديدة، حتى ولو اصبح هذا الارتياد غاية في ذاته، تماما كما تصبح الرحلة غاية في ذاتها طالما ان الوصول هو نهاية لكل ما فجرته من تساؤلات وحققته من اكتشافات.
ان مصطلح التفكيك الذي صاغه دريدا لترجمة عبارة هيدغر، لا يقصد به الهدم والتخريب، وانما اعادة ترتيب عناصر الخطاب على طريقة أهل النحو. ذلك ان مقطع النفي حسب اعتقاد الكردي يراد به خلخلة تركيب الجملة لبيان الطابع الاتفاقي البحت للعلاقة بين التركيب اللغوي ومرجعيته. ففي قصيدة الشعر أو في الخطاب الفلسفي، مثلا، لا تخضع الجملة لمنطق المرجع الخارجي وانما لضرورات الصياغة الشعرية أو الفلسفية. وتبرز عملية التفكيك بوضوح في حالة ترجمة الشعر من لغة الى لغة أو عندما نحاول نقل معانيه الى لغة النثر.
وهنا لا بد من ان نؤكد انه اذا كانت الاشكاليات التي يطرحها دريدا هي بطبيعتها واقعة داخل الخطاب الفلسفي، ولا تستطيع ان تفلت منه بتخطيه، وتجاوزه نحو العالم الخارجي، فهي لا تخرج عن كونها ضربا من ألاعيب اللغة. ومع ذلك يكابر دريدا ويرفض ان تكون تفكيكيته ضربا من فلسفة اللغة.
نبوءة اليوم قبل الآخر
لعل أهم ما يميز دريدا في مرحلته الابداعية هي تلك الحرية المرتبطة بموقعه الهامشي وجرأته التأويلية القصوى التي جعلت فيلسوفا مثل هابرماس يصف منهجه التفكيكي بالخطابية، ويقصد بذلك انه يطبق مناهج النقد الأدبي على نصوص تراث فلسفي منطقي لا تمثل الأغراض الأدبية شغله الشاغل. ومن وجهة نظر أسامة خليل، ان دريدا في مرحلته الدفاعية، التي بدأت في الربع الأخير من القرن الماضي، تحول الى مؤسسة ذاتية تذود عن موقعها أو الى مركز فردي او بالأحرى الى فرد مركزي يدافع عن تراث ابداعه الفكري.
تلك الحرية التي استباحها لنفسه في النقد والتفكيك.
ويتساءل اسامة خليل، كيف يكتشف البعض في أعمال دريدا مواقف ايديولوجية وأحكاماً مسبقة وهو الذي يندد بالمواقف الأيديولوجية والأحكام المسبقة؟ وكيف يكتشف البعض لديه بعداً قومياً يهودياً وهو الفيلسوف الذي يندد بالنزعات القومية في الفكرالغربي ويقول أنه فرنسي جزائري، ويهودي غير يهودي؟
هذا، وقد دار سجال بين دريدا وخصومه، لتبيان بعض المبادئ والمسلمات المنهجية التي لا تلقى القبول العام في كتاباته التفكيكية الأولى. يقول دريدا: "ليس هناك وجود كان حاضراً في الماضي يمكن للذات العارفة استحضاره او تمثله ومن ثم لا يبقى غير نسق العلامات". وهذه العلامات ليست وجوهاً مرئية تحيل لا الى موجودات خفية كما تحيل سطوح المكعب الى المكعب. فليس هناك باطن هو الوجود وظاهره والعلامات الدالة على هذا الوجود.
ويؤكد أسامة خليل أن العلامات لا تشير الى مشاعر باطنة كما تشير الدموع الى الحنين والأسى. والعلامات اختلافات تكرر الاختلاف. وتتأسس على أصلين: أصل الخلق أو الإرجاء، وأصل الزمان. الأول أصل قبل أنطولوجي يتجاوز المقولات الأنطولوجية الى ما وراء الوجود أو الى ما قبله، ويمثل إليه التعاقب والإرجاء والأثر شرط أن يفهم الأصل هنا باعتباره والبعدية صفرية لا يسبقها قبل، فالأثر هو خليفة الآخر لكن هذا الآخر غائب غير موجود ولا يعني شيئاً. والثاني أصل الزمان الذي نحار في تفسيره، فبينما تكاد تجمع النظريات الفلسفية على تصور صوري للزمان باعتباره صورة حسية قبلية لملكة الفهم أو بردّه الى الشعور والوجدان، يفترض دريدا زماناً موضوعياً اكثر واقعية من تصور الوجود في الفسلفة الغربية.
[ جاك دريدا والتفكيك
[ تحرير: أحمد عبدالحليم عطية
[ دار الفارابي بيروت 2010
"المستقبل"




















