في عام 1977 وجدت نفسي محترفا ثوريا في حماه رغما عني . الاحتراف الثوري فن حسب تعبير لينين وصفه بدقة في كتابه ( ما العمل ) وأنا كنت أقرب الى غرامشي بكثير من لينين . نظرية غرامشي تعتمد على ما يسميه حرب المواقع – وفيها تسقط قلاع وحصون المجتمع القديم اثر محاصرتها ضمن عمل جماهيري مديد الواحدة تلو الأخرى – التي تصنع الثورة من أسفل الى أعلى عكس نموذج لينين الذي يريدها انقلابا ثوريا من أعلى الى أسفل . أكملت عملي في حماه بنفس العقلية التي عملت فيها داخل اللاذقية . كانت خطتي بناء منطقية جديدة بعد تدمير منطقية المنظمة اثر حملة الاعتقالات الشرسة عليها . صممت نموذجا لعملي على الشكل التالي : أن أنشط مع الرفاق والمناصرين للمنظمة في تقديم الوعي لمن يرغب في ذلك بحيث يؤهله ذلك الوعي محاكمة الخطوط السياسية في الساحة ومن ثم فليختار الخط السياسي القريب من قناعاته ليدعمه بالشكل الذي يراه مناسبا , وفعلا أنجزت أربع دراسات مستوحاة من اختصاصي الجامعي في كلية العلوم الى جانب فهمي الكلاسيكي لنظرية ماركس ورفيق دربه انجلز . أرسلت نسخة منها للمركز وبدأت بشرحها على الوسط الموجود حولي . عنونت الدراسات كما يلي
1- المادة والوعي . وفيها عرض علمي دقيق لتطور الحياة من البسيط الى المعقد والتي انتهت بالدماغ عند الانسان كنتاج ثانوي لحركة المادة .
2- الحركة الديالكتيكة وقوانينها في المجتمع والطبيعة .
3- الفهم المادي للتاريخ ( تجلي قوانين الديالكتيك في الحقل الاجتماعي .
4- الاقتصاد السياسي وآلية عمله في نظام الإنتاج الرأسمالي .
في الدراسة الرابعة قدّمت عرضا نظريا موجزا لكتاب ماركس رأس المال .
يصف ماركس النظام الرأسمالي بأنه نظام سلعي بامتياز _ السلعة خليته الأساسية – وكل سلعة تحمل قيمة او ثمن يتحدد بالزمن الاجتماعي الوسطي اللازم لإنتاجها , والسلعة الأساسية التي تضيف قيمة في أنظمة الإنتاج الاستغلالية هي ( قوة العمل ) ويتحدد تمنها كأي سلعة أخرى بالزمن الاجتماعي الوسطي اللازم لإنتاجها – ما يلزم من مأكل وملبس ومشرب لتجديدها – وهي لاتختلف عن بقية البضائع الا بكونها تحمل خصوصية تاريخية وأخلاقية – والمفارقة ان الجزء المدفوع الثمن للمنتج في عصر الرق يبدو وكأنه غير مدفوع الثمن , عكس عصر الراسمالية حيث توهِم بان المنتج أخذ ثمن عمله كاملا .
تحدّث ماركس بأسلوب أدبي ساحر في كتابه عن وثنية السلطة في العصر الرأسمالي التي أصبحت – نقداً , صنماً , رباً – لهذا المجتمع , معبودا يشترك مع الوثنية بصفات تُنسَب اليه تماما كما ينسب للحجر القدرة على الشفاء من الأمراض عند الوثنيين , ينسب للمال القدرة على انتاج المزيد من البضائع عبر آليته القائمة على الربح , في حين ان المال شيء مثل الحجر لاينتج والذي ينتج هو الانسان , وهكذا تبدو العلاقة في السوق الرأسمالية بين الأشياء المصنوعة من قِبًل الناس وليست بين الناس أنفسهم .
الطريف في الدراسة الرابعة أنها لم تقتصر على الفهم النظري لآلية الإنتاج في العصر الرأسمالي , بل قمت بدعمها ميدانيا وعبر الأرقام الدقيقة بدراسة عملية ساعدني فيها رفيق كان في سنته الهندسية الأولى * وكان يعمل صيفا من اجل جمع مصروفه الجامعي شتاء عند عّم له يملك مصنع ينتج فيه مادة الكلس ** في قرية تدعى( كفر بهموا الواقعة في ريف حماه .
وعن طريق الرفيق جمعت بدقة المعلومات لمعرفة رأس المال الثابت اللازم لإنتاج الكلس بما فيه ثمن قطعة الأرض والفرن الكلسي المشاد فيها , ورأس المال المتحرك التي تشمل مادة الفيول اللازمة للحرق يوميا , إضافة الى اجر العمال وكان عددهم اثنا عشر بمن فيهم الرفيق المشار اليه, وتتبعت عدد الأكياس المنتجة في الشهر وسعرها في السوق ونسبة الربح لصاحب المصنع , لأصل الى نتيجة مفادها : ان ما يأخذه العمال من أجر في المكلسة بالكاد يكفي ثمن طعامهم ولباسهم وشرابهم في حين يفيض عند صاحبها ا سنويا كمية من المال تؤهله لأن يدير مصنعا آخر في قرية أخرى او يفتتح سوبر ماركت في السوق لتبيض له ذهبا . وهكذا انتهت الدراسة بشقيها النظري والعملي الى الخلاصة التالية :
يتراكم راس المال في جيوب الرأسماليين ويبقى العمال عمالا مأجورين مضطرين لبيع قوة عملهم للرأسماليين كي لا يموتوا من الجوع .
ما من شك في ان عبقرية ماركس تجّلت في حقل الاقتصاد أكثر بكثير منها في السياسة , ولا يزال الكثير من جوانب راس المال صالحا للاستفادة منه في معرفة آلية عمل الاقتصاد السياسي البورجوازي , ربما أهمل ماركس في تحليله مكانة راس المال الانساني ( اذا صح التعبير ) مثل المعرفة والموهبة والمهارة الإدارية ودورها في انتاج فائض القيمة , او بتعبير أدق دور الرأسماليين مها كان صغيرا في العملية الانتاجية , لكن ذلك لايقارن بأخطائه القاتلة في حقل السياسة , لقد بني الكثير منها على الانفعال والعاطفة اكثر مما تم بناؤها على أساس العلم والواقع ,نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر .
– الدور المناط بالبروليتاريا وديكتاتوريتها في دفن الانتاج الرأسمالي . لا بل ان مقولته حول ديكتاتورية البروليتاريا لعبت دورا سلبيا في التاريخ .
– فهمه للتحالفات السياسية والتي لم تكن صحيحة في عصره فكيف ستكون صالحة بالنسبة لعصرنا ؟
العنف الثوري كموِّلد للجديد من أحشاء القديم في عملية صنع الانتاج الاشتراكي .
أعترف الآن انني كنت في ذلك الزمن أقرأ كتاب رأس المال بطريقة فيها الكثير من أوجه التشابه مع قراءة الدينين للكتاب المقدس سواء كان إنجيلا ام قرآنا . ورغم كل التطورات في العالم مازال الماركسيون يقرؤونه بنفس الطريقة . كيف تحولت الماركسية الى دين أممي جديد رُفِع فيه ماركس الى مرتبة الأنبياء وجرى له ما جرى للمسيح ومحمد قبله ؟؟!! . اعتقد جازما ان احد الأسباب لذلك هي إخلاص الرجال الثلاثة لقضية العدالة الاجتماعية التي كانوا ينشدونها وتضحيتهم من اجل ذلك . ولكن الماركسيين يلامون اكثر من غيرهم لعدم قدرة تحررهم من وهم التقديس , فماركس لم يكن سوى مفكرا مثله مثل هيغل وفيورباخ وسبينوزا وغيرهم , وبداهة على من يتبنى المنهج المادي الجدلي في التحليل أن يحاكم ماركس في عصره وأين أخطا وأين أصاب استنادا الى الدروس اللاحقة للتطور . أي أن تكون الألوية عنده للوقائع على النصوص وليس العكس .
يهمنا هنا أتباع ماركس السوريون الحاليون الذين يتوهمون بوجود ركام ماركسي
( حسب تعبير أحدهم ) قادر على فرض إرادته على تطور سوريا المستقبلي .
يختلف هؤلاء السادة بينهم حول دور الشيوعيين بعد ماركس بما فيه لينين لكنهم يتفقون جميعا على مقولات ماركس سواء كانوا موالاة ام معارضة أم بين بين .
ولعل ذلك الاتفاق يكمن وراء موقفهم الاقتصادي من اجراءات الدردري , فالشيوعيون السوريون من جناح بكداش الى جناح يوسف فيصل الى اللجنة الموقتة لهيئة الشيوعيين الى هيئة الشيوعيين ذاتها الى حزب العمل الشيوعي يتبنون نفس الموقف تجاه خطواته باتجاه السوق , جميعا يريدون شد التاريخ الى الوراء من اجل اقتصاد سياسي مبني على التخطيط الاشتراكي ودور القطاع العام الرائد فيه ولذلك يصبون جام غضبهم على الدردري لأنه يقوم بتفكيك الاقتصاد الاشتراكي والاتجاه نحو قوانين السوق الرأسمالية .
مشكلتنا مع هؤلاء تشبه مشكلتنا مع الأصوليين الاسلامين . قوانين الحياة تقول : ان الراسمالية قادرة على تجديد شبابها والخروج من أزماتها لفترة بعيدة وغير منظورة وهم يعيشون على وهم مقولات ماركس حول انهيار الرأسمالية , وحيال أي أزمة مهما كانت بسيطة يعودون الى مقولاتهم الاشتراكية ( بهذا الصدد رقص الشيوعيون السوريون والعرب على صفحات جريدة النور بعد ان رسم رئيس تحريرها الطريق لهم قائلا : ان الدعوة الى تجاوز الرأسمالية أصبحت مهمة مطلوبة بعد الأزمة الراسمالية الأخيرة . و وعلى هداه قال احدهم – انهض يا ماركس من قبرك – ولولا اعتناقهم مبادئهم بشكل أصولي لأقروا ان مشكلة بناء الاشتراكية مؤجلة الى حين بعيد , والتمهيد لها يكمن بإجراء التحولات الديمقراطية في بلد مثل بلدنا بشكل جذري ومتناسق, لو كانوا يحملون هذا الهم لما هاجموا الدردي بهذه القوة لدرجة اتهامه بالخيانة , على العكس كان عليهم ان يساعدوه لتخليص بلادنا من بقايا أوهام الاشتراكية , ومن اجل اشتراكيتهم المبنية على مصالح الطبقة العاملة وحلفائها الآخرين من المنتجين عموما كان عليهم ان يضغطوا بقوة لتكون إجراءات الدردري منسجمة مع نفسها وتؤتي ثمارها بإحداث تنمية اجتماعية عريضة تخدم كل الطبقات وليس الطبقات الطفيلية ومن يقف وراءها داخل وخارج الحكم , وهذا يعني ببساطة حاجة تلك التحولات الاقتصادية الى اجراءات ديمقراطية تترافق معها تسمح للعمال والمنتجين بالاضراب من اجل مصالحهم مثل ربط الأجر بالسعر وتامينهم ضد البطالة ..الخ . عليهم باختصار أن يحاولوا جعل سوريا تطلق قاعدتها المعروفة – لبرالية في الاقتصاد وديكتاتورية في السياسة.والتي تترجم عند العامة من الناس بقولهم ( القيادة السورية تزمر على اليسار وتكوع على اليمين ) بدلا من ذلك يشدون التاريخ في سوريا الى الوراء ويصبون لعناتهم على الدردري والمتلبرلين الجدد من رفاقهم القدامى ( حسب وصفهم ) .
مشكلتهم مع شخصية زكية ومحنكة ايضا . من يتتبع ندواته في المحافظات سيلحظ كيف يرد عليهم واحدا اثر آخر بسخرية أحيانا واتهام أحيانا اخرى , وقبل البدء بالرد يحدد هوية السائل قائلا : أكيد أنت ماركسي .
السؤال الذي يطرح نفسه في سوريا . من يعمل لمصلحة المنتجين أكثر
الدردري أم معارضوه الماركسيون ؟
كامل عباس – اللاذقية
…………………………………………..
- أعطينا الرفيق في المنطقية اسما حركيا هو ابو المكالس وحتى كتابة هذه السطور لاأعلم اسمه الحقيقي , ولم اسمع به سوى مرة واحدة في عام 1992 عندما ارسل لي سلاما الى سجن صيدنايا باسم ابو المكالس عبر سجناء التقى بهم في احدى جلسات محكمة امن الدولة . أبو المكالس كان آنذاك سجينا في سجن عدرا .
** يشتهر ريف حماه بانتاج الكلس عبر مكالس متنوعة صممت لهذا الغرض .




















