أمام سوريا مهلة ثلاثة أشهر لاختيار طريق تعاملها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إما التمرد على غرار ما تفعله إيران أو التعاون مع الوكالة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، حيث سيعقد مجلس محافظي الوكالة جلسته المقبلة في مارس 2009.
هذا ما قاله المندوب الأميركي في الوكالة في مقابلة أجرتها معه صحيفة الشرق الأوسط التي تصدر في لندن في الثاني عشر من ديسمبر الجاري، وأضاف أنه يأمل أن تختار سوريا طريق التعاون من أجل مصالحها، فالفشل في التعاون سيكون له عواقب وخيمة لأنه يثير تساؤلات خطيرة.
لا غرابة في لغة الخطاب هذا فقد صدر عن أحد المسؤولين في إدارة دأبت على مدى الأعوام الثمانية المنصرمة على استخدام التهديد والوعيد لغة للتخاطب مع معظم الدول النامية وعمدت إلى انتهاج أسلوب التعالي على حلفائها وزجت جيوشها لتسقط أنظمة سياسية هنا وهناك دون مراعاة للقانون الدولي، ووضعت مفاهيم وفتاوى تناسب مقاساتها. ولا ندري ان كان قانون الوكالة الدولية، وهي منظمة تابعة للأمم المتحدة، يسمح لأعضاء مجلس محافظيها بتصريحات كهذه دون الرجوع إلى ما يقرره المجلس أو إن كان لهم حق التصريح أصلاً.
وقد تزامنت تصريحات متشابهة صدرت عن عدد من المسؤولين في الإدارة الأميركية مع إعلان دمشق عن تسمية سفيرها الجديد في بغداد وإقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان والبدء بانفتاح غير مسبوق على ما كان غير ممكن حتى وقت قريب.
تتعرض سوريا إلى اختبار نواياها من قبل الوكالة الدولية منذ مايو المنصرم حين صدر تقرير عن المخابرات الأميركية ورد فيه بأن دمشق كانت على وشك البدء بتشغيل مفاعل نووي بإشراف كوريا الشمالية لإنتاج مادة البلوتونيوم في الموقع الذي تعرض لقصف إسرائيلي في السادس من سبتمبر 2007. ويأتي التصعيد الأخير بعد نشر تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية في نوفمبر المنصرم والذي أشار إلى أن مفتشي الوكالة قد عثروا في رمال المنطقة القريبة من الموقع الذي تعرض للقصف على كميات كبيرة من جزيئات اليورانيوم.
من جانبها سارعت سوريا على لسان وزير خارجيتها إلى نفي ذلك كلياً وأشارت إلى أنها لم تقم بأي نشاط نووي محظور وشددت على موقفها الملتزم بنصوص إتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية الموقعة عليها. وأكدت على أن الموقع الذي تعرض للتدمير هو منشأة عسكرية مهجورة وإن مصدر اليورانيوم هي القذائف الإسرائيلية التي استخدمت لتدميره حيث سبق للولايات المتحدة أن استخدمت قذائف اليورانيوم المنضب في أفغانستان والعراق.
اليورانيوم الذي اكتشف وجوده مفتشو الوكالة قرب موقع المنشأة المدمرة ليس بدليل كاف لاتهام سوريا بما اتهمت، فالمدير العام للوكالة الدكتور محمد البرادعي قد صرح بأن الوكالة لم تحسم بعد موقفها ولم تتوصل إلى قرار حول ما إذا كان هناك مفاعل نووي أم لا. أما هانس بليكس المدير العام السابق للوكالة الدولية والذي ترأس فرق التفتيش عن أسلحة العراق فيقول في رد على سؤال يتعلق بهذا الشأن في لقاء نشرت تفاصيله صحيفة إيلاف، بأن هذا الموضوع يحيره فعلاً فإن كان هنالك مفاعل غير مكتمل فاليورانيوم هي آخر مادة توضع فيه وإن كان مفاعلاً مكتملاً فإنه قد انتهى.
الحديث عن مفاعل نووي لإنتاج البلوتونيوم يستوجب التوقف فمفاعل كهذا ليس من الهين إخفاؤه فهو منشأة ضخمة لا يدل على وجودها مسحات من اليورانيوم مختلطة بالرمال وإنما يكشف ذلك حجمها وطريقة تصميمها والمعدات المتوافرة فيها ومواد بناءها وقضايا تقنية تفصيلية كثيرة.
الموضوع أخذ أكبر من حجمه بكثير وذلك لأسباب سياسية فالملف النووي السوري يراد له أن يبقى مفتوحا للضغط على دمشق وابتزازها سيما وان ملفين مهمان فشلت إدارة الرئس بوش في مقاربتهما حتى الآن وهو الملف النووي الإيراني والملف الفلسطيني لا يزالان يقلقان الإدارة الأميركية، وسوريا من غير شك لاعب لا يمكن تجاوز أهميته في منطقة الشرق الوسط وخاصة في الملف الثاني.
فقد شهد مجلس محافظي الوكالة نقاشات حادة بين مؤيدين لمنح سوريا حزمة الخدمات الفنية والتقنية التي تقدمها الوكالة لأعضائها للبدء بإنشاء مفاعل نووي للأغراض السلمية ومعارضين لذلك. والقضية التي فجرت هذا الخلاف هي الخطة الخاصة بدراسة «الجدوى الفنية والاقتصادية واختيار الموقع» التي أعدتها أمانة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لاقامة محطة للطاقة النووية في سوريا، والتي بلغت كلفتها زهاء 350 ألف دولار.
فقد وقفت روسيا والصين والدول النامية مع سوريا ووقفت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا ضدها. وكان الخلاف منصباً حول زج المصالح السياسية في عمل الوكالة لتصبح أداة تنال من حياديتها ومهنيتها وواجباتها اتجاه أعضائها. فطالما لا يوجد ما يشير إلى وجود خرق من الجانب السوري لاتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية فمن حقها أن تتمتع كباقي الأعضاء بحقوقها كاملة.
والملفت للنظر في هذا الصدد هو الموقف الفرنسي المتشدد إزاء سوريا والذي لا يختلف عن الموقف الأميركي، فقد قالت فرنسا، التي تقود الإنفتاح الغربي على دمشق، على لسان ديزانيو المتحدث المساعد بلسان خارجيتها بأن «على سوريا التعاون مع الوكالة الدولية بما يسمح بالكشف عن أنشطتها النووية في الماضي والحاضر».
الوكالة الدولية للطاقة الذرية في موقف حساس للغاية فعليها مقاومة الضغوط لتسييس قراراتها خدمة لمصالح الولايات المتحدة التي ترى في جميع المنظمات الدولية أدوات تنفيذ لسياساتها. سوريا من جانبها لها الحق في عدم السماح بتعريض منشآتها العسكرية إلى التفتيش فذلك مساس بسيادتها وربما تعريض أمنها لمخاطر عديدة. وينبغي أن لا تتهم سوريا بالسلبية بسبب رفضها السماح بدخول المفتشين إلى هذه المنشآت كما ورد ضمنياً في دعوة السيد البرادعي المدير العام للوكالة، في مؤتمره الصحافي الذي عقده في دبي في السابع عشر من نوفمبر المنصرم ، سوريا إلى أن تبدي شفافية أكبر.
كاتب عراقي
"البيان"




















