إذا كانت التجاربُ الكبيرةُ ملهمَةَ الشعوب ، تعود إليها لتتعلمَ منها ، فإن ثورةَ تموز في أرضِ الكنانةِ هي تجربةُ العرب ، التي حاولت أن تؤسسَ لنهوضٍ قادم .
ما حدث في مصرَ عام 1952 انقلابٌ عسكريٌّ قاده " الضباط الأحرار " ، انتقل من الانقلاب إلى الثورة ، وبقيادة جمال عبد النصر انجدل مشروع الثورة مع محاولة النهضة العربية الثانية ، فكانت الناصريةُ بجدارةٍ مرحلةَ القوميةِ العربية .
عبد الناصر هو أولُ حاكمٍ عربيٍّ منذ قرون حقق عمليةَ التواصل مع الشعب ، وأولُ زعيمٍ في منظومة الدول الاشتراكية طرحَ قضية تحالف قوى الشعب العامل ، مخالفاً الرؤيةَ التي اعتمدت على الطبقة العاملة والرؤيةَ الأخرى التي اعتمدت على الفلاحين ، وهو الرئيسُ الذي مات وفي جيبه سبعون جنيهاً ، كما رفضَ أن توصلَ السيارةُ الحكوميةُ ابنَه إلى الجامعة ، هذا هو قائدُ ثورةِ تموز ، وبالرغم من ذلك نحن نميزُ بين المشروعِ الناصري وبين النظامِ الناصري ، الذي بناه ذاك المشروع .
لا يمكنُ الحديثُ عن ثورةِ تموز بدون الحديث عن عبد الناصر والناصرية ، فمنذ حصارِ الفلوجةِ عام 1948 بدأ يتكون وعيُّ جمال القومي ، و ترسَّخت القناعةُ لديه بأن نهوضَ مصرَ مرهونٌ بقيادتِها للعرب ، وليس انغلاقاً إقليمياً على الفرعونية ، رغم عظمةِ تلك الحضارةِ وذاك التاريخ ، فكانت فلسطينُ المعلمَ القوميَّ الأولَ لعبد الناصر ، وكان هو القائدَ العربي الأبرزَ في القرن العشرين ،
لقد وضعَ الصراعُ العربي – الإسرائيلي مصرَ والوطنَ العربي بين رحى هذا الصراع ، وشكلَ الخطرُ الإسرائيليُّ على المنطقةِ و المقاومةُ الفلسطينيةُ ضده حافزاً لمصر . في هذا المناخ السياسي عاشَ عبد الناصر وتكونَ فكرُه السياسي ، وما وسمَ شخصيتَه هي قدرتُه على التعلم وعلى التقاط ما هو جديد في الواقع ، وأدركَ حاجةَ العرب إلى البعد الكوني ، فقدَّرَ أهميةَ الدائرةِ الإفريقيةِ والعالمِ الثالثية ، فساهمَ في مؤتمر باندونغ في إنشاء حركة عدم الانحياز، التي شكلت في مرحلة الحربِ الباردةِ مكوناً أساسياً في مواجهة السياسة الغربية العدوانية .
من هنا كان وعيُّ جمال في حالة تطورٍ وتنامٍ مستمرَّين ، وتلمسَ المفهومَ التحرري لمسألة الوحدة ودولة الأمة ، وترابطِ ما هو عربي بما هو عالمي ، واستخلصَ من حربه في فلسطين مدى الانحياز الغربي لإسرائيل ، وحاجةَ العرب إلى التضامن والوحدة ، وانتقلت طموحاتُه القوميةُ من النزوع / إلى المشروعٍ بالقوة ، بلغت ذروتَها في حرب السويس ووحدة 1958 ، و في آتون الصراع على المنطقة اختار الشعبُ السوريُّ ذو الهوى القومي الخيارَ الناصري ، وزحفَ ليستقبلَ عبد الناصر ، ولينجزَ معه أولَ وحدةٍ في تاريخ العرب المعاصر مردداً :
– الله أكبر فوق كيد المعتدي .
– بلادي بلادي لكِ حبي وفؤادي ..
بعد الانفصال وبعد هزيمة حزيران 1967 واجه عبد الناصر الهزيمةَ متحملاً مسؤوليتها ، وصدمتْْه مواجهةُ جيشِه وأجهزته الأمنِيةِ طلابَ الجامعاتِ وعمالَ معاملِ حلوان عام 1968 وهم الحاملُ الاجتماعي لمشروعه القومي ، فأدراكَ الفجوةَ بين مشروعه الناصري القومي وبين النظام السياسي البيروقراطي الأمني الذي بناه ، فأعادَ بناءَ الجيش ، الذي خاضَ حربَ تشرين بخطةٍ عسكريةٍ مشتركةٍ مع الجيش السوري ، وعَبَرَ قناةَ السويس ، ولحظةُ وفاةِ عبد الناصر كانت قدراتُ الجيشِ المصري الأعلى بكثير من إمكانياته عشيةَ حرب تشرين و بشهادة كبار الخبراء العسكريين .
إننا نرى أن مهامَ المشروعِ الناصري " في النهضة والوحدة والتقدم لا زالت راهنةً وملحة ، راهنيةَ وإلحاحَ نقد النظام الناصري ، وإذا كنا نرى إيجابياتِ ثورة تموز الكبيرة ، فنحن نرى سلبياتِها الكبيرة ، ووفاءً للثورة ولقائدها لا بد من نقد هذه التجربة ، لأنها تجربةٌ لا تخصُّ مصرَ ولا تخصُّ الناصريين وحسب " ، بل هي تجربةُ الأمة العربية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، اتصفتْ تلك التجربةُ بالثوريةِ السياسيةِ من جهة لكن بالمحافظةِ الأيديولوجية من جهة أخرى ، وأخفقت في دمج مجتمع المدينة المتقدم نسبياً بمجتمع الريف التقليدي ، وحجبت انتصاراتُ عبد النصر السياسيةُ عن عينيه كثافةَ وحجمَ التأخر التاريخي العربي ، فلمْ يولِ الحداثةَ الأهميةَ التي تستحق ، كالدولة ، الدستور ، العقلانية ، تحرر المرأة ، حرية الصحافة ، حرية العمل ، استقلالية النقابات ، فصل السلطات ، وتشكيل الأحزاب ، و" لمْ تتابعْ ثورةُ تموز هذه القضايا ، بل كان نظام عبد الناصر السياسي مبنيٌّ على التقليد ، وكان ذلك انقلابٌ على تلك القضايا الهامة ، التي ما تزال راهنةً وعلى جدول أعمال التاريخ في بلادنا " .
مازال الفكر القومي حتى اليوم " لا يرى الإنسان في قوام الأمة والدولة ، والمواطن في قوام الوطن ، المواطن لا الرعية ، وأثبتت تجربةُ مصرَ والتجاربُ العربيةُ إخفاقَ استغناء الثورة عن التقدم ، ونفخَ الثورة وإفراغَ التقدم ، فلا يمكن أن تكون عربياً ترى أمةً ووحدةً ووطناً إذا كنتَ غيرَ متعاطفٍ مع كل إنسان ، ومع كل جماعةٍ مظلومةٍ في هذا الوطن "، مع أن الهويةَ القوميةَ أيامَ عبد الناصر كانت حقيقةً ، ولم تكن تجارةً وعقدةَ هوية واصطفافاً خلف الآخرين ، ولم تكن معركةُ عبد الناصر مع الثقافة الأوروبية ، كانت معركتُه مع الاستعمار والإمبريالية وإسرائيل ، وميز عبد الناصر بين غرب الحضارة وبين غرب العدوان والاحتلال ، ولم تعدْ فكرةُ الوحدةِ العربيةِ اليوم تقومُ على التماثل ، بل هي دعوةٌ للتكامل بين أقطار، والدولةُ العربيةُ التي همَّشت المجتمعََ مستعينةً بالسلطة ، همَّشتها السلطةُ بدورِها َ وركبت ظهرَها ، وغيبت النظامَ العربيَّ العام ، فأصبحت المنطقة العربية موضوعاً للدول الإقليمية والدولية ..
انطلاقاً من ثورة تموز في مصر عام 1952 وتجربة عبد الناصر نقول :
– ارفع رأسك يا أخي .. لكن :
– بدون حقوق الإنسان لا دولة ولا سياسة "ولا وحدة ولا تقدم ..
ين مزدوجين اقتباس من كتاب نقد العقلانية العربية – إلياس مرقص




















