هل يمكن لشجرة أن تشعل حرباً في منطقة الشرق الأوسط؟ لقد كادت أن تفعل ذلك أخيرا. ومجرد طرح مثل هذا السؤال يدل على أن الوضع في المنطقة شديد الحساسية والتوتر، وعلى حالة عدم الثقة السائدة بين العرب والإسرائيليين، وكذلك على خطر الحدود اللبنانية الإسرائيلية، التي كثيراً ما خُضبت بالدماء، وهو ما أسفر عنه الاشتباك الأخير.
هذا الهجوم الإسرائيلي على الحدود اللبنانية حدث بعد فترة وجيزة من انعقاد القمة الثلاثية العربية في بيروت، وقد تزامن تقريباً مع اعتداءات بالصواريخ، مجهولة المصدر، على إيلات الإسرائيلية، وعلى مدينة العقبة جنوبي الأردن، حيث أدى إلى مقتل أحد مواطنيها وجرح آخرين، فهل من المعقول أن تتسبب شجرة بكل هذا؟
المشكلة الحقيقية
من المرجح أنها من أشجار الصنوبر لأنها حجبت الرؤية عن الكاميرات الأمنية الإسرائيلية على الحدود، لهذا قرر اليهود استخدام رافعة خاصة لاقتلاعها والتخلص منها، لكن المشكلة الحقيقية هي أننا لا نعرف أين هي الحدود بالضبط، لأنها وضعت بطريقة غير دقيقة، ففي عام 2000 رسمت الأمم المتحدة خطاً أزرق على امتداد ما كان يعرف أيام بلفور بالحدود الفاصلة بين ما هو تابع للاستعمار الفرنسي في لبنان، وما هو تابع للاستعمار البريطاني في فلسطين.
وعلى امتداد هذا الخط الأزرق قام السياج الإسرائيلي الشائك والمكهرب في كثير من أنحائه، لكنه لم يتطابق مع الخط الأزرق تماماً، لهذا فعندما عبرت الجرافة الإسرائيلية المزودة بالرافعة السياج لتقطع الشجرة، بدأ الجنود اللبنانيون بالصراخ وإطلاق النار في الهواء لمنعها من التقدم، لكن الجنود الإسرائيليين، بحسب الرواية اللبنانية، ردوا بإطلاق النار مباشرة على الجنود اللبنانيين.
الفرق في القوة بين الجانبين يرجح أن إسرائيل هي التي بدأت إطلاق النار، فمن الصعب التصديق أن دولة ذات جيش ضعيف، مثل لبنان، تعتدي على دولة تمتلك 264 رأسا نووياً.بعد ذلك بساعات هرع إلى المكان الصحافي اللبناني عساف أبو رحال، مراسل صحيفة «الأخبار»، ليغطي الخبر، لكن الطائرات الإسرائيلية لم تمهله، حيث تعرضت عربة مدرعة لبنانية كان يستقلها، لصاروخ من طائرة هليكوبتر إسرائيلية، فقُتل مع ثلاثة من الجنود اللبنانيين.
التمهيد الخطر
القوات اللبنانية ردت على الاعتداء بإطلاق النار على الجانب الإسرائيلي، بناء على أوامر وصلتها من بيروت، فقتلت ضابطاً إسرائيلياً، وأعلن حزب الله خبر مقتله على شاشة قناة المنار، التي يمتلكها، وذلك قبل خمس ساعات من الإعلان الإسرائيلي.طوال فترة المساء في ذلك اليوم مضى الطرفان يكيلان لبعضهما الاتهامات المتبادلة بشأن الاعتداء.
وأعلنت إسرائيل عن سوء فهم بين الطرفين، لكنها قالت إنها ستحمل ملف «الشجرة» للأمم المتحدة لأنها ترى أن لبنان هو المتسبب في هذا الاشتباك، غير أن محللين كثر يرون أن إٍسرائيل تمهد بهذا لحرب مع حزب الله، حيث توعدت إسرائيل بتدمير البنية التحتية اللبنانية للمرة السادسة خلال 32 عاماً. أما الجانب اللبناني فقد شجب الحادثة على لسان رئيس وزرائه سعد الحريري، ووصفها، في مكالمة هاتفية مع الرئيس المصري حسني مبارك، بأنها اعتداء صارخ على سيادة لبنان، من جانبه قال الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصرالله إن اليد التي ستمتد للبنان ستقطع.
استخدمت إسرائيل في الاشتباك الأخير قذائف دبابات وطائرات هليكوبتر، واستخدم الجانب اللبناني القنابل والرشاشات، وتأثرت بذلك شبكة الاتصالات اللبنانية، ليس بسبب ميلاد عيد، الموظف في شركة اتصالات اللبنانية والجاسوس الذي ضبطته السلطات اللبنانية وهو يعمل لصالح إسرائيل، إنما بسبب الضغط الهائل على شبكة الهاتف النقال من الناس الذين يريدون إن يعرفوا ما إذا كانت هناك حرب أخرى ستنشب في المنطقة أم لا.
بقلم: روبرت فيسك – ترجمة: يوسف جباعته
"الانديبندنت"




















