لو ألقينا ببصرنا الى مختلف بلاد العالم لأدركنا حقيقة بارزة وهي أن النخب السياسية الحاكمة على تنوع اتجاهاتها الإيديولوجية واختلاف طريقة وصولها للحكم تمر بمحنة عميقة!
وهذه المحنة لها مؤشرات متعددة أهمها الفجوة العميقة بين السياسات التي تطبقها النخب الحاكمة والمطالب الشعبية من ناحية، وخداع الذات من ناحية أخرى!
والواقع أن ثورة الاتصالات الكبرى بما تتضمنه من بث تلفزيوني فضائي وذيوع استخدام شبكة الإنترنت التى تتدفق منها المعلومات كل ثانية، أتاحت للبشر في كل مكان التأمل في الأوضاع العالمية، والتعرف على سياسات الدول، وأهم من ذلك تتبع سلوك أعضاء النخب السياسية الحاكمة بما له من دلالات مهمة.
وليأذن لي القارئ في أن أقدم له عينة من ملاحظاتي التي استقيتها من قراءة الصحف الأجنبية وتتبع ما تنشره وكالات الأنباء.
الملاحظة الأولى تتعلق بفرنسا، وخصوصاً ما يتعلق بانخفاض شعبية رئيس الجمهورية ساركوزي والذي نجح في انتخابات رئاسية نزيهة وشفافة بعد أن وعد الجماهير الفرنسية بإصلاحات واسعة المدى كفيلة بتحسين الأوضاع الاقتصادية في فرنسا وجعلها قادرة على المنافسة العالمية، وترقية الأوضاع الاجتماعية للجماهير لتلبية مطالبهم في تحسين الأجور وتطوير شبكات الأمان الاجتماعية. غير أن الممارسة العملية أثبتت للجماهير أن ساركوزي يعمل في الواقع في خدمة أهداف الطبقة الرأسمالية الفرنسية ويعمل على خصخصة المجتمع الفرنسي بكامله بغض النظر عن الأضرار بحقوق العاملين، مما أدى إلى تظاهرات شتى قام بها أساتذة الجامعة والأطباء وغيرهم من الطوائف.
غير أن ساركوزي مصمم على سياساته وإن كان انحنى أمام إضراب الأطباء لخطورة نتائجه، وفي الوقت نفسه لم يبالِ بإضراب أساتذة الجامعة!
وأحيانا لا يستطيع المراقب السياسي أن يتجاهل السلوك الشخصي لأعضاء النخب السياسية الحاكمة، لأن الشخصيات العامة – شئناً أم أبينا – ينبغي أن تراعي في سلوكها قواعد وأعرافاً مرعية.
غير أن ساركوزي حطم العديد من التقاليد الفرنسية المتعلقة بسلوك رئيس الجمهورية. ذلك أن زوجته السيدة كارلا عارضة الأزياء السابقة محبة للغناء وقامت بإحياء حفل غنائي في لندن. وهو سلوك غير معتاد لزوجة رئيس للجمهورية الفرنسية.
غير أن الأنباء حملت لنا أخباراً مثيرة تقول إن زوجة ساركوزي ستمثل دوراً في فيلم يخرجه المخرج الاميركي الشهير وودي آلن تدور أحداثه في باريس. وفي يوم التصوير شوهد الرئيس ساركوزي يتفرج على زوجته وهي تؤدي دورها في أحد شوارع باريس.
والسؤال هنا هل هناك علاقة بين سياسات ساركوزي غير الشعبية وسلوكه الشخصي وسماحه لزوجته بممارسة الغناء والتمثيل في سابقة لا مثيل لها بالنسبة لتقاليد رئاسة الجمهورية الفرنسية؟
قد تكون الإجابة بنعم! لأن الذي يجمع بين السياسة غير الشعبية والسلوك الشخصي هو الاستهانة بمصالح الجماهير من ناحية وعدم الاهتمام بمشاعرهم من ناحية أخرى.
لقد صمم ساركوزي على تطبيق سياساته الرأسمالية المتطرفة والتي تقوم على كف يد الدولة عن رعاية المواطنين وتركهم لتفاعلات قوى السوق المنفلتة من ناحية، وعدم اهتمامه – في الوقت نفسه – باستنكار الجماهير الفرنسية لسلوك زوجة الرئيس والتي تمارس الغناء في حفلات عامة أو تقوم بالتمثيل في أفلام سينمائية تصور في باريس!
وننتقل إلى إيطاليا لكي نجد ظاهرة برلسكونى رئيس الوزراء المليونير المتهم في قضايا فساد كبرى، والشهير بسلوكه العلني المستفز.
والسؤال هنا كيف انتخبت الجماهير هذه الشخصية السياسية التي لا يتصور ابتداء أنه سيطبق سياسات تخدم في المقام الأول مصالح الجماهير العريضة؟
أما من ناحية سلوكه الاجتماعي فقد نشرت وكالات الأنباء صورة له وهو محاط بمجموعة من الحسان وهو في طريقه لقضاء إجازته الصيفية!
وهنا أيضاً ليس هناك تفسير للسلوك السياسي والشخصي إلا ظاهرة اللامبالاة من قبل أعضاء النخب السياسية الحاكمة والتي قد تدخل في باب الطرائف اللافتة للنظر، وننتقل إلى الولايات المتحدة الاميركية التي كان لانتخاب أوباما رئيساً لجمهوريتها صدى عالمياً عميقاً.
جاء الرجل رافعاً شعار التغيير، وكان يعنى التغيير في السياسات الخارجية والداخلية معاً.
في السياسة الخارجية وعد بسحب القوات العسكرية الاميركية من العراق في تاريخ محدد، وكذلك الحال بالنسبة لسحب القوات من أفغانستان.
أما بالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقد نادى في خطبته التاريخية التي ألقاها في جامعة القاهرة بحل الدولتين، بمعنى حق الفلسطينيين في إقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش جنباً إلى جنب مع الدولة الإسرائيلية.
وتتمثل محنة الرئيس أوباما في أن خطته لسحب القوات العسكرية الاميركية من العراق واجهتها مشكلات شتى أهمها عدم الاستقرار السياسي في العراق من ناحية وعدم توقف العنف الإرهابي من ناحية أخرى والذي زعم الاميركيون أنهم نجحوا في القضاء عليه!
وفي ما يتعلق بوعده بسحب القوات المسلحة الاميركية في أفغانستان قوبل بابتزاز واضح من قبل القادة العسكريين. ذلك أن الجنرال ماكريستال قائد القوات في أفغانستان طالبه بإرسال ثمانين ألف جندي إضافي حتى يستطيع أن يكسب الحرب وينقض على "طالبان".
وتردد أوباما كثيراً في اتخاذ قراره وبعد ثلاثة أشهر قرر إرسال ثلاثين ألف جندي فقط. ويبدو أن الجنرال ماكريستال أيقن أنه لا يمكن أن ينتصر على "طالبان" تحت أي ظرف، وأن الهزيمة الاميركية آتية لا شك فيها، ولذلك أدلى بتصريحات غريبة سخر فيها من الرئيس أوباما ومن وزير الدفاع وأركان إدارة الرئيس مما دفع بهذا إلى إقالته وتولية قائد جديد.
غير أن هذا القائد الجديد صرح بأن المهمة صعبة للغاية، ولمح الى أن النصر على "طالبان" مستبعد، وهكذا تتمثل محنة أوباما في أنه قد لا يستطيع الوفاء بوعده بالانسحاب في التاريخ الذي حدده، وإلا تحول هذا الانسحاب هزيمة مهينة علنية على غرار هزيمة اميركا من قبل في فيتنام!
غير أن مشكلة أوباما الكبرى تظهر في الساحة الفلسطينية وذلك أنه بعد أن ظهر حازما وقاطعاً في خطبة القاهرة بشأن إنشاء دولة فلسطينية، وبعدما دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تجميد الاستيطان في الضفة الغربية لمدة عام حتى يتاح للإسرائيليين والفلسطينيين التفاوض بشأن المستقبل في هدوء، إذا بنتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يرفض بكل عنجهية مقترحات أوباما ويصر على عدم تجميد الاستيطان بل ويشرع في تهويد القدس بخطة نشطة!
وتبرز محنة أوباما الكبرى في تسليمه الكامل بمطالب إسرائيل في زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخيرة لواشنطن، حيث قابله بمنتهى الترحيب وأقر علانية بأن أمن إسرائيل له الأولوية وأن الولايات المتحدة الاميركية ملتزمة التزاماً مطلقاً بالدفاع عنها، وتجاهل وعوده السابقة بشأن الدولة الفلسطينية، ودعا السلطة الفلسطينية للتفاوض بدون أي شروط مسبقة!
وهكذا ظهرت الفجوة الكبرى بين القول والفعل عند الرئيس الاميركي الذي وصل الى منصبه لأنه وعد بالتغيير الجوهري في السياسة الخارجية الاميركية، وها نحن نشهد فشله في العراق وأفغانستان وفلسطين.
ولا يمكننا أن ننسب فشل أوباما لأسباب شخصية تتعلق به، لأنه كرئيس للولايات المتحدة الاميركية يخضع في الواقع لمراكز القوى التى تتحكم في المشهد السياسى الاميركي والتي تتمثل أساساً في الجنرالات أو المؤسسة العسكرية ومديري المصارف والشركات الكبرى، وأعضاء الطبقة السياسية التى يحترف أعضاؤها السياسة سواء كانوا جمهوريين أو ديموقراطيين.
(باحث مصري)
"النهار"




















