اللجنة الرباعية، وخصوصا طرفها الاقوى والاكثر تاثيرا، واشنطن، تستعجل حلا للصراع في فلسطين يكون مقدمة لنزع فتائل التوترات في الشرق الاوسط ككل: اولا لتحسن اميركا صورتها المشوهة بين شعوب المنطقة، وثانيا لتنزع من دعاة المقاومة والممانعة ذريعتهم لمواصلة القتال واحراج اصدقائها المعتدلين، وثالثا لتحرم المتشددين الذين ينكدون عيشها في افغانستان وغيرها من مبررات فتاوى الجهاد ضدها، ورابعا لتتفرغ للمسألة الايرانية وتامين ظهر اصدقائها العرب لتبرير رغبتهم في الانجرار الى اي معركة محتملة مع طهران، وخامسا لانها تعتقد ان ايجاد مخرج شكلي مقبول لمشكلة الفلسطينيين هو افضل ضمان لامن اسرائيل ولتطبيع وجود هذا الكيان مع محيطه، تمهيدا لادخاله في نسيج المنطقة وجعله جسما طبيعيا فيها.
واللجنة الرباعية تريد حلا في اسرع وقت قبل ان يختلط الحابل الفلسطيني بالنابل الايراني ويصير الممكن اليوم مستحيلا غدا، لكنها تدرك مدى الاحراج الذي يواجه السلطة الفلسطينية للعودة الى طاولة المفاوضات المباشرة قبل ان تحصل على النزر القليل الذي يحفظ ما بقي من ماء وجهها اذا وجد، فقد رضي القتيل ولم يرضَ القاتل بعد.
وحفاظا على هذا القليل من ماء الوجه، سربت الرباعية انباء عن نيتها في اجتماعها "الضغط" على اسرائيل لتمديد تجميد الاستيطان الجزئي (غير المجمد عمليا) عشرة اشهر اضافية وتحديد مهلة عام او عامين للتوصل الى اقامة دولة فلسطينية "شرط" ان يكون هذان الطلبان "غير ملزمين" لاسرائيل. لكن حتى هذا القليل يبدو كثيرا و"فظيعا" لاسرائيل التي لا تحبذ ان يفرض عليها احد شروطه، فكيف اذا كانت هذه الشروط تلبي مطلبا "تعجيزيا" للفلسطينيين؟ ومثلما درجت العادة لم تنتظر اسرائيل اعلان الرباعية بيانها فرفضته قبل ان يبصر النور.
اسرائيل تقول انها لن توقف البناء الاستيطاني بذريعة انه يمس بالتكاثر الطبيعي للسكان، وتعارض الانسحاب من الغور وتفكيك المستوطنات الكبرى بحجة حماية امنها والحدود (اي حدود؟)، وترفض اي تنازلات في القدس الشرقية لان هذه المدينة هي "هدية" من الله لشعب اسرائيل المختار ولا يجوز التفريط بها.
اما في الواقع فان اسرائيل لا تتمسك فقط بالكتل الاستيطانية والغور والقدس، بل تتمسك بكل شبر من الضفة الغربية، فلا دولة لليهود من دون الضفة، ولا امن للدولة العبرية بلا هذا الحاجز الطبيعي الضروري، ولا مستقبل لاسرائيل اذا انسحبت من هذه المنطقة. اسرائيل تريد المفاوضات من اجل "لذة" اجراء المفاوضات والتلهي بالفلسطينيين وتدريب ديبلوماسييها على التفاوض ليس الا. فلا هي تحتمل دولة فلسطينية الى جانبها، ولا دولة ثنائية القومية في داخلها، ولا سلام مع الجيران لان من شأن السلام ان يخسرها فائدة وجود عدو حتى تبرر تطرفها والحرب، فكل الارض من النهر الى البحر هي ارضها. هي لا تريد سوى شعب مقهور في ارضه يعيش بين خيارين: الموت البطيء او الرحيل.
لا جديد في الاستراتيجية الاسرائيلية ولا في التكتيك. على هذا الاساس قامت هذه الدولة وعلى هذا الاساس ستستمر. لكن الجديد هو ان واشنطن، ومن خلال الرباعية، ترى ضرورة ان تتغير اسرائيل قليلا حتى لا تسبب المراوحة الحالية في المكان اذى للمصالح الغربية وخصوصا الاميركية منها، وفي الاساس حتى تخفف الاذى عن اسرائيل نفسها التي كلما فكت طوق ظهر لها آخر اكثر شدة.
اسرائيل ستجد مليون وسيلة ووسيلة للالتفاف على "الضغوط" الغربية الرامية الى اقناعها بالقبول بمشروع "دويلة" فلسطينية. لكن بماذا سترد اللجنة الرباعية على الاستخفاف الاسرائيلي بطلباتها؟ وكيف تتعامل الولايات المتحدة مع رفض تل ابيب لرؤيتها لدولة فلسطينية؟ هل تواصل "الضغط"؟ والى اي حدود؟ هل تتجاوز التهديد اللفظي الى اجراءات ملموسة وعقابية؟ وكيف تتعامل الانظمة العربية الداعمة للمفاوضات مع هذا الرفض؟ هل بالتهديد بـ"سحب" المبادرة العربية من التداول؟
لا تتعبوا انفسكم بالبحث عن اجوبة، فقبل ان تجدوا جوابا، ستجدون السلطة، وبتمنّ من حاضنيها العرب، جالسة الى طاولة المفاوضات المباشرة بحجة "حشر" اسرائيل بـ"الزاوية الصعبة" و"عدم تضييع الفرصة "!
"النهار"




















