في الأسابيع الأخيرة، سلّطت سياسات الجمهوريين والمحاولات في مختلف أنحاء أميركا لمنع بناء مساجد، الضوء على تأثير رهاب الإسلام في المجتمع الأميركي.
لقد تبنّى المرشّحون الجمهوريون وجهة نظر شعبية، متوسّلين المواقف العنصرية حيال الإسلام والمسلمين وتداً سياسياً للفوز بأصوات في الانتخابات في تشرين الثاني المقبل. الاتّهامات الكاذبة في 2008 بأنّ باراك أوباما مسلم، وكأنّ هذا الأمر يشوّه سمعته، هي مثال عن رهاب الإسلام الذي ما زال يُستعمَل استراتيجية سياسية اليوم. هذا النوع من خطاب الكره السياسي تطرّق إليه كولن باول في تأييده لأوباما عندما سأل "أين الخطأ في أن يكون المرء مسلماً في هذا البلد؟… سمعت أعضاء رفيعي المستوى في حزبي يلمّحون ‘إنّه مسلم، وقد يكون على صلة بالإرهابيين’. ليست هذه الطريقة المناسبة لتسيير الأمور في أميركا".
الأسبوع الماضي، حاول رئيس مجلس النواب السابق، نيوت غينغريتش، الذي يسعى بكل ما أوتي من قوّة إلى استعادة دوره الجمهوري القيادي على صعيد البلاد، التلويح بتهديد غريب على المستوى الوطني حول تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو تهديد غير موجود حتى: "أحد الأمور التي سأقترحها اليوم هو قانون فيديرالي ينص على عدم السماح لأي محكمة في أي مكان في الولايات المتحدة في ظل أي ظرف كان اعتبار الشريعة بديلاً من القانون الأميركي. نقطة على السطر". وقد حذا الجمهوري ريكس دونكان من أوكلاهوما حذوه محذِّراً من أن هناك "حرباً للبقاء في أميركا"، من أجل منع الشريعة الإسلامية من التسلّل إلى نظام المحاكم الأميركي. في كاليفورنيا، شجّع تجمّع لـ"حركة حفلات الشاي" احتجاجاً على بناء مركز إسلامي في تيميكولا، المحتجّين على جلب كلابهم معهم لأن المسلمين يكرهون اليهود والمسيحيين والنساء والكلاب.
تسييس الجمهوريين للإسلام والمسلمين له جذور عميقة بدءاً من المواقف التي اتّخذها مرشّحوهم الرئاسيون الكبار (جون ماكين وميت رومني وردوي جيولياني) وصولاً إلى اتّهامات لا أساس لها من الصحة يطلقها أعضاء في الكونغرس. في الحملة الرئاسية عام 2008، أظهر المرشح الجمهوري جون ماكين رغبة في اكتساب ثقة اليمين المسيحي الذي سعى بقوّة إلى الفوز بأصواته، مما دفعه إلى تبنّي مواقف قسوس في كنائس كبرى ودعاة إنجيليين يبشّرون عبر التلفزيون وهم أصحاب مواقف تتسبّب بانقسام حاد. وقد حصل ماكين على تأييد الصهيونيَّين المسيحيين البارزَين، رون بارسلي وجون هاغي. يحذّر بارسلي في كتابه الصادر عام 2005، Silent No More (لا صمت بعد الآن) من "حرب بين الإسلام والحضارة المسيحية". ويشجب "اليأس الروحي" للتحرّريين المدنيين في أميركا الذين ينادون بالفصل بين الدين والدولة، ويعرّف الإسلام بأنه "دين مناهض للمسيح"(…).
يقول بارسلي "الواقع هو أن أميركا تأسّست، في جزء منها، بنيّة رؤية هذا الدين الزائف يُدمَّر. لقد وصل الجهاد إلى أميركا. إذا خسرنا الحرب أمام الفاشية الإسلامية، فسوف يتغيّر العالم كما نعرفه… إنها هنا… إنهم جاهزون للتحرّك ضد هذه البلاد في شكل خلايا إرهابية. إنها حرب بين ثقافة الموت وثقافة الحياة والحرّية والسعي إلى السعادة". قال بارسلي إن المذاهب الراديكالية التي تضمّ نحو 200 مليون مسلم تعتقد أن لديها أمراً من الله بقتل المسيحيين واليهود… وقال هاغي "أزمتنا هي أن نصف أميركا لا يعرف أن الحرب بدأت. إنها حرب دينية".
عندما أحيط ماكين علماً بتصريحات هاغي المتطرّفة عن الإسلام، رفض في البداية أن ينأى بنفسه عن هذا القس. ولم يقطع ماكين علاقاته به إلاّ بعد الكشف عن التعليقات المناهضة للكاثوليك التي صدرت من قبل عن هاغي، والتي اعتبر فيها أن جل ما فعله أدولف هتلر هو البناء على عمل "الكنيسة الرومانية" التي وصفها بـ"عاهرة بابل الكبرى".
أطلقت عضو الكونغرس سو ميريك من كارولينا الشمالية وعضو الكونغرس بول برون من جورجيا اتّهامات في حملة جهيضة بأنّ "مجلس العلاقات الأميركية – الإسلامية" (CAIR) شجّع التسلّل السرّي لطلاب مسلمين متدرّجين إلى لجان أمن قومي أساسية في الكونغرس.
المسلمون الأميركيون: أساطير وحقائق
لا تزال وصمة الانتماء الأجنبي والإرهاب تطبع المسلم الأميركي على أنّه "الآخر". لكن ماذا تكشف استطلاعات الرأي الأساسية التي يجريها معهدا "غالوب" و"بو" عن المسلمين الأميركيين؟ إنهم من أكثر المتّحدات تنوّعاً في العالم، فهم يمثّلون 68 بلداً مختلفاً إلى جانب الأميركيين الأفارقة الأصليين والمتحوِّلين نحو الدين الإسلامي. في العقود القليلة الماضية، أصبحت الغالبية الكبرى من المسلمين الأميركيين مندمجة اقتصادياً، وبصورة متزايدة سياسياً، في المجتمع الأميركي الأساسي. المسلمون هم رجال ونساء موزَّعون في مختلف أنحاء الطيف الاقتصادي-الاجتماعي: مهنيون (أطبّاء ومحامون ومهندسون ومربّون)، ومديرو شركات، ومالكو أعمال صغيرة، وعمّال كادحون. في الواقع، يملك 70 في المئة منهم وظيفة (مدفوعة أو غير مدفوعة الأجر) مقارنةً بـ64 في المئة من الأميركيين في الإجمال. وللنساء المسلمات مداخيل أسرية شهرية أقرب إلى مداخيل الرجال، مقارنةً بالنساء والرجال في أديان أخرى.
التعليم أولوية لعدد كبير من المسلمين الذين يشكّلون، بعد اليهود، المتحد الديني الأكثر تثقيفاً في الولايات المتحدة. فأربعون في المئة من المسلمين يحملون شهادة جامعية أو أكثر، مقارنة بـ29 في المئة من الأميركيين في الإجمال؛ و31 في المئة هم طلاب بدوام كامل مقارنة بـ10 في المئة من مجمل السكّان.
على الرغم من دمج المسلمين كمواطنين أميركيين، غالباً ما تكون حقوقهم في الحرية الدينية والحريات المدنية مهدَّدة. لم تتحوّل معارضة بناء المساجد في أماكن تمتدّ من مدينة نيويورك وستاتن آيلند إلى تينيسي وكاليفورنيا، شأناً سياسياً محلياً وحسب، بل أصبحت أيضاً شأناً سياسياً وطنياً. لقد تحوّلت خطط بناء مركز إسلامي قرب موقع مركز التجارة العالمي استفتاء وطنياً يثير استقطاباً في أوساط القادة السياسيين والدينيين ووسائل الإعلام. فقد اعتبر معلّقون سياسيون يمينيون وشخصيات سياسية وكهنة مسيحيون متشدّدون ومدوِّنون وبعض عائلات ضحايا 11 أيلول أنّ بناء هذا المركز يضرب عرض الحائط بمشاعر تلك العائلات (متجاهلين واقع أن مسلمين أبرياء كانوا يعملون في مركز التجارة العالمي هم أيضاً في عداد الضحايا). يصفون هذا المركز الثقافي بأنّه "نُصب للإرهاب".
حقوق الأميركيين وحرياتهم
لقد تحوّلت الجهود الهادفة إلى تشويه سمعة الإسلام والمسلمين كرة قدم سياسية تهدّد الآن الحقوق والحرّيات المنصوص عنها في التعديل الأول، وليس فقط حقوق المسلمين وحرياتهم، إنما أيضاً حقوق كل الأميركيين وحرياتهم. يصبح رهاب الإسلام بسرعة بمنزلة العداء للسامية بالنسبة إلى اليهودية واليهود، فهو متجذّر في العداء واللاتسامح حيال المعتقدات الدينية والثقافية وحيال مجموعة دينية أو عرقية.
على الرغم من تمييز الرئيسَين جورج دبليو بوش وباراك أوباما المستمر بين أعمال الإرهابيين وإيمان الغالبية الكبرى من المسلمين، ما نشهده اليوم هو رأس جبل الجليد الذي تشكّل في أعقاب 11 أيلول. إنهم قادة سياسيون ودينيون ينتمون إلى أقصى اليمين ومعلِّقون إعلاميون يُطلقون خطاب كراهية على غرار تعليق آن كولتر: "يجب أن نجتاح بلدانهم، ونقتل قادتهم ونهديهم إلى المسيحية"، وهو خطاب لا أثر له على الإطلاق في الإعلام المرئي والمسموع أو المقروء الأساسي في الحديث عن اليهود والمسيحيين ومجموعات إتنية وعرقية راسخة أخرى في أميركا.
يتسبّب وابل الكلام العنيف المشابه، على غرار ذاك الوارد أدناه، بجو من الخوف والعداء لا أساس له من الصحة، نظراً إلى ما نعرفه عن المسلمين المنتمين إلى الاتجاه السائد في أميركا.
حذّر مايكل سافادج، مقدّم برنامج The Savage Nation "أقول لكم الآن، ترغب النسبة الأكبر من الأميركيين في رؤية سلاح نووي يُلقى على عاصمة عربية كبرى. لا يأبهون حتى ما هي هذه العاصمة… أظن أنه يجب هداية هؤلاء الأشخاص بالقوة إلى المسيحية. إنه الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحوّلهم على الأرجح كانئات بشرية".
وعلّق راش ليمبو رداً على الانتقادات لإساءة معاملة السجناء العراقيين في سجن أبو غريب "هم المرضى… هم الشاذّون. هم الخطرون. هم دون البشر".
ولم تقصِّر شخصيات بارزة في اليمين المسيحي في هذا المجال. فقد أعلن فرانكلين غراهام "إله الإسلام ليس هو نفسه إله الإيمان المسيحي أو اليهودي – المسيحي. إنه إله مختلف (…). وفي برنامج Hannity & Colmes عبر محطة "فوكس نيوز"، حذّر بات روبرتسون: "ليس صحيحاً أن هؤلاء الإرهابيين يشوِّهون الإسلام، إنهم يطبِّقون الإسلام… ومن الزيف الاعتقاد بأنّه دين مسالم".
تأثير رهاب الإسلام وتداعياته
في مختلف أنحاء أميركا، صوّر خطاب الكره والمزايدات السياسية المنطلقة من رهاب الإسلام، كل المسلمين بطريقة سلبية، مما ولّد انطباعات سلبية عميقة لدى أولئك الذين لا يعرفون المسلمين شخصياً. تظهر استطلاعات رأي أساسية أجراها معهدا "غالوب" و"بو" أن عدداً كبيراً من المجيبين يشكّك في ولاء المواطنين المسلمين ويوافق على سياسات تفرز المسلمين أو تفرض عليهم حمل بطاقات هوية خاصة. لقد تسبّب خطاب الكره بارتكاب جرائم عنيفة ضد المسلمين والسيخ وأقليات أخرى من أصل آسيوي وشرق أوسطي "تبدو مسلمة". وأدّى إلى إطلاق اتهامات جزافاً بحق المؤسسات المسلمة التي تنتمي إلى الاتجاه السائد (مساجد، مجموعات الحقوق المدنية، لجان تحرّك سياسية، جمعيات خيرية). ولسوء الحظ أدّت المخاوف بشأن الأمن الداخلي إلى التعسّف في استعمال تشريع مكافحة الإرهاب وإلى توقيفات اعتباطية وسجن مسلمين بطريقة تقوِّض كل حرياتنا المدنية. والنتيجة هي تفاقم مناخ الشك وانعدام الثقة.
ما العمل الآن؟
يجب الإقرار بأن السرطان الاجتماعي الذي يمثّله رهاب الإسلام غير مقبول تماماً مثل عداء السامية. إنه تهديد لنسيج حياتنا الديموقراطية التعدّدية، وهو يمتحن صلابة مبادئنا وقيمنا الديموقراطية. يجب أن يبذل القادة السياسيون والدينيون، والمعلّقون والخبراء، مزيداً من الجهود للتصدّي لخطاب الكراهية؛ يجب أن يكونوا رائدين في حماية التعدّدية الدينية والاحترام المتبادل وتعزيزهما. وعليهم أن يُمسكوا بالخيط الرفيع الذي يفصل بين إيمان مسلمي الاتجاه السائد والعنف الذي يبرّره الإرهابيون باسم الإسلام. فطمس هذا التمييز يصب في مصلحة مروِّجي الكره (المسلمين وغير المسلمين، الدينيين والسياسيين) الذين يؤدّي خطابهم إلى التحريض وتشويه السمعة، والتنفير والتهميش، ويقود إلى اعتماد سياسات تقوِّض الحريات المدنية للمسلمين وغير المسلمين على السواء.
"واشنطن بوست"
ترجمة نسرين ناضر
( أستاذ ديانات وشؤون دوليةودراسات إسلامية)
"النهار"




















