ساركوزي: ليس مقبولاً أن يغوص لبنان مجدداً في دوامة العنف
باريس ـ مراد مراد
شدد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أمس، في خطابه الافتتاحي للمؤتمر الثامن عشر لسفراء فرنسا حول العالم، على أنه من غير المقبول إطلاقاً أن يغوص لبنان مجدداً في أعمال العنف، مؤكداً ضرورة احترام سيادة واستقلال هذا البلد الصديق التاريخي لفرنسا. كما أعرب عن ثقته بأن السلام بين سوريا وإسرائيل ممكن، وأكد على ايمانه بأن قيام دولة فلسطينية بحدود العام 1967 هو حق للشعب الفلسطيني والضمانة الوحيدة لأمن إسرائيل ومستقبل اندماجها في المنطقة. وجدد الرئيس الفرنسي اتهامه إيران بتغذية العنف والتطرف في المنطقة واصفاً اياها بـ"التهديد الأساسي للأمن الدولي".
وشغل الشأن اللبناني أمس في الإليزيه حيزاً في خطاب ساركوزي المطول الذي شمل السياسة الخارجية والأزمة الاقتصادية العالمية. واعتبر الرئيس الفرنسي أنه "في الوقت الذي يولد الأمل في المنطقة مجدداً، فإن من غير المقبول أن يغوص لبنان مجدداً في دوامة العنف". وأضاف "لقد رحبت فرنسا بالزيارة الثنائية التي قام بها الى بيروت الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود والرئيس السوري بشار الأسد. فرنسا تدعم بشكل كامل المؤسسات اللبنانية الديموقراطية والرئيس اللبناني ميشال سليمان ورئيس الوزراء سعد الحريري". وأكد ساركوزي على الارتباط الفرنسي الوثيق بلبنان، مشدداً على أن "فرنسا صديقة جميع اللبنانيين وتعمل من أجل استقرار لبنان متنوع تستطيع فيه جميع التركيبات (الاجتماعية والطائفية) العيش في جو من التسامح والاحترام المتبادل. إن نشاطات الأسرة الدولية في لبنان ليست لها أهداف أخرى سوى هذا الاستقرار. وهذا هو الاتجاه الكامل لمهام قوات حفظ السلام "اليونيفيل" بما يخدم السلام وسيادة لبنان التي يجب أن تُحترم من قبل جميع جيرانه".
وعلى هامش المؤتمر، التقت "المستقبل" الأمين العام المساعد في عمليات السلام التابعة للأمم المتحدة ألان لوروا الذي أكد "أن مهمة اليونيفيل في لبنان ستمدد لعام آخر ولن يكون هناك أي تغييرات جوهرية في تفاصيل هذه المهام".
وذكر ساركوزي في خطابه خلال عرضه لمسار السلام في الشرق الأوسط موضوع السلام بين سوريا وإسرائيل، واعتبر أن "تحقيق السلام بين سوريا وإسرائيل ممكن. فرنسا التي جددت مع دمشق حواراً منتظماً ومفيداً لكل المنطقة تعمل الى جانب المساعي التركية في البحث عن اتفاق سلام. لقد أوكلت هذه المهمة للسفير جان كلود كوسران الذي يحوز كامل ثقتي".
وأمس أكد مصدر ديبلوماسي مطلع على هذه المهمة لـ"المستقبل" أن "كوسران لم يضع بعد جدولاً لزيارته الى المنطقة. لكن هناك احتمالاً كبيراً أن يقوم بهذه الزيارة بعد عطلة عيد الفطر وقد تشمل جولته كلا من تركيا وسوريا وإسرائيل".
ونأى ساركوزي أمس بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي عن أعمال العنف التي تحصل في العراق وأفغانستان وبلدان أخرى فقال "البعض يؤكد بأن أعمال العنف التي تجري في حزام الأزمات (الذي يشمل المنطقة الممتدة من باكستان الى مالي) لها سبب واحد هو غياب حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. هذا حتماً خاطئ. إن الذين يقتلون الناس في العراق وقندهار لا هدف لهم سوى إزاحة أعدائهم داخل العراق وأفغانستان. ولكن في الوقت نفسه من منا لا يفهم أن ايجاد حل سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين من شأنه أن يحول المعطيات السياسية في الشرق الأوسط بأسره".
وانتقد ساركوزي التردد الحاصل لدى الأطراف بشأن عملية السلام مؤكداً "أن المسألة مسألة إرادة وتصميم". وأضاف "أؤكد لكم أن اتفاق سلام يعلم تفاصيله العالم بأسره يمكن أن يوقع خلال عام. إن استئناف المفاوضات المباشرة في الثاني من أيلول (سبتمبر) المقبل يشكل فرصة وأملاً كبيرين. دولة فلسطينية قابلة للحياة ديموقراطية وبحدود العام 1967 هي في الوقت نفسه حق للشعب الفلسطيني والضمانة الأفضل لإسرائيل وأمنها واندماجها الكامل في المنطقة بما يتطابق والمبادرة العربية للسلام. هذا هو الحل الوحيد الذي تصب فيه مصلحة الشعبين والحل الوحيد القادر على تقليص نفوذ المتطرفين وإعطاء الأمل بالمستقبل. يجب على المجتمع الدولي بأسره أن يرافق هذه المفاوضات لضمان نجاحها".
وتابع ساركوزي "لهذا السبب فإن فرنسا تقترح استضافة مؤتمر ثان في باريس من أجل جمع المساعدات والمنح للشعب الفلسطيني وتمويل إعمار الاقتصاد والمؤسسات في الدولة المستقبلية. وإلى جانب الدعم المادي الذي يمكن أن يشكله هذا المؤتمر فإنه سيكون تحركاً ملموساً تعبر فيه الأسرة الدولية عن مدى إسهامها في إنجاز حل الدولتين".
وأشار الرئيس الفرنسي الى رغبته التي تشاركه فيها مصر (شريكة فرنسا في رئاسة الاتحاد المتوسطي) في أن "تعقد القمة الثانية للاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة أواخر شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وستكون هذه فرصة لتبني عدد من المشاريع الاقتصادية الكبرى من أجل مستقبل أفضل لجميع الشعوب في حوض المتوسط".
وحذر ساركوزي من أي تواصل ممكن بين الشبكات الإرهابية التابعة لـ"القاعدة" وسواها والممتدة في ما أسماه "حزام الأزمة" الممتد من باكستان حتى اقليم الساحل الافريقي مروراً بإيران والشرق الأوسط. واعتبر أن "في استقرار اليمن استقرار شبه الجزيرة العربية بأسرها. منذ عام عندما قامت مجموعة يمنية مسلحة (الحوثيون) بتهديد امن المملكة العربية السعودية فإن بلداناً عدة بينها فرنسا قامت بمسؤوليتها. لقد تم توقيع هدنة هشة أنهت هذه الاشتباكات ولكن المشكلة لا تزال موجودة. ولا يمكن حلها سوى بواسطة الحوار والإصلاحات".
وشمل الخطاب الرئاسي مجمل عمليات مكافحة الإرهاب في حزام الساحل الافريقي والصومال والقرصنة في خليج عدن، والمهام الفرنسية والدولية في أفغانستان.
وشغل الملف الإيراني حيزاً كبيراً في خطاب ساركوزي الذي استهل هذا الشق بمواضيع حقوق الإنسان منتقداً بشكل لاذع عقوبات رجم النساء بالحجارة حتى الموت "التي تعيدنا الى العصور الحجرية". واعتبر ساركوزي أن إيران "تغذي العنف والتطرف في المنطقة. وهي الآن تشكل التهديد الرئيسي للأمن الدولي عبر مجال خطير جداً هو الانتشار النووي".
وأوضح الرئيس الفرنسي أن "فرنسا تؤيد تطوير إيران لطاقتها الكهربائية النووية بما يتوافق واحترام القوانين الدولية. ولهذا فنحن نرحب بتشغيل مفاعل بوشهر الذي سيزود بشكل كامل بوقود روسي فقط. ولكن المشكلة ليست هنا بل في مكان آخر".
وانتقل ساركوزي لتحديد مكامن الخطورة في مواقع تخصيب اليورانيوم المشبوهة التي بحسب الأسرة الدولية لا تبدو لها أي أهداف سوى انتاج أسلحة نووية. ونفى أن تكون العقوبات المشددة التي تبناها أخيراً ضد طهران مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تؤدي الى عناد أكثر من قبل الإيرانين بل شدد على أنه على العكس من ذلك "إن العقوبات إذا لم تكن مشددة كفاية فإنها لن تؤدي النتائج المرجوة منها". وأضاف "على كل، نحن نأمل أن يلجأ الإيرانيون الى الحوار الجدي ونحن ننتظر ما سيحمله المفاوضون الإيرانيون عندما يأتون للجلوس مع الدول الست والممثلة العليا لخارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون في فيينا في أيلول (سبتمبر) المقبل، عندما سيتم الحوار بشأن تزويد مفاعل الأبحاث في طهران باليورانيوم".
ونصح ساركوزي الإيرانيين بالحوار الجدي بما يزيل جميع الشكوك حول برنامجهم النووية ونشاطات التخصيب، وإلا "فإن عزلتهم ستزداد مع مرور الوقت". واختتم ملمحاً الى الحل الصدامي "وبما أنه يجب علينا التصدي لهذا التهديد (السلاح النووي) الذي يزداد وضوحاً فإننا مطالبون بتنظيم صفوفنا من أجل حماية الدول التي تشعر أن أمنها مهدد والوقوف الى جانبها والدفاع عنها".
وعلى هامش هذا المؤتمر أشار مصدر ديبلوماسي فرنسي لـ"المستقبل" عن "وجود انطباع لدى العواصم الغربية بأن ثمة تحركات وتغييرات تتم في إيران بشأن البرنامج النووي خصوصاً بعد الرزمة الأخيرة من العقوبات. وبشكل عام هناك إحساس من التفاؤل بأن تفضي المحادثات خلال الأشهر المقبلة الى النتيجة المرجوة".
"المستقبل"




















