تبدأ المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية واسرائيل الاسبوع المقبل تحت الضغط الاميركي. إلا ان هذا الضغط لا يتعدى الشكل الى المضمون. فكل ما يريده الرئيس الاميركي باراك اوباما الان هو الصورة والاعلان فقط، لعل ذلك يعينه في الانتخابات النصفية التي ستجري في تشرين الثاني المقبل.
فما سيحدث في واشنطن الخميس المقبل سبق وان حدث في انابوليس عام 2007 عندما جمع الرئيس الاميركي جورج بوش الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي عامذاك ايهود اولمرت على امل التوصل الى تسوية للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي في غضون سنة.
لكن ماذا حصل؟ لقد كان من السهل على اولمرت التنصل من الالتزامات التي قطعها في انابوليس، عبر احراج الفلسطينيين ودفعهم الى الخروج من المفاوضات، من الاستمرار في الاستيطان وصولاً الى شن الحرب على قطاع غزة نهاية عام 2008 ومطلع 2009، مما أوجد ظروفاً يستحيل معها على السلطة الفلسطينية الاستمرار في التفاوض. كما اتاحت حرب غزة لاولمرت التخلص من عبء التفاوض غير المباشر مع سوريا عبر القناة التركية.
والآن، لا شيء يوحي بأن مثل هذا السيناريو لن يتكرر، إذ انه تحت ضغط اليمين الاسرائيلي المتشدد الذي يتحكم بمصير الائتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو الرافض لأي تسوية مع الفلسطينيين، لن يعدم نتنياهو وسيلة لاحراج السلطة الفلسطينية ومن ثم إخراجها من المفاوضات، وتالياً إلقاء اللوم عليها في إفشال التسوية.
ولا توحي التجارب التي خاضها الفلسطينيون مع نتنياهو بأن هناك أملاً في امكان التوصل الى تسوية معه. وليس أدل على ذلك من قول الرئيس الفلسطيني بأنه ذاهب الى المفاوضات المباشرة مع رهان نسبته واحد في المئة. ولا يلام الفلسطينيون على تشاؤمهم. فكل المواقف التي يطلقها نتنياهو لا تدل على ان الرجل عازم فعلاً على تقديم التنازلات الضرورية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
فهو يصر في كل مناسبة على انه من أجل انجاح المفاوضات، يتعين على الفلسطينيين ان يتنازلوا عن المطالبة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين من خلال الاعتراف بيهودية اسرائيل، والقبول بقيام دولة منزوعة السلاح، وعلى القبول بأن الكتل الاستيطانية الكبرى ستبقى جزءاً من اسرائيل في أي تسوية محتملة، وعلى القبول بأن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح مع احتفاظ اسرائيل بالسيطرة على حدودها البرية وعلى اجوائها.
ان التضحية الكبرى التي يعتقد نتنياهو بانه يقدم عليها تتمثل في مجرد قبوله بمبدأ قيام دولة فلسطينية على ارض لا يزال يعتبرها انها ملك لاسرائيل. كما التضحية الاخرى تتمثل في المخاطرة بسقوط ائتلافه الحكومي، بمجرد موافقته على تجميد موقت للاستيطان في الضفة الغربية.
ومما يزيد في تعقيد الموقف هو عدم وجود استعداد اميركي لممارسة ضغط فعلي على اسرائيل للقبول بتسوية تضمن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ويعرض تالياً هذا الموقف المفاوضات كلها للنسف. واذا كانت ادارة اوباما اخفقت في ممارسة الضغوط على الحكومة الاسرائيلية المتشددة، فإنها غير قادرة مهما مارست من ضغوط على السلطة الفلسطينية من الحصول على قرار بالتسليم بقيام دولة مقطعة الاوصال لا تملك سيطرة ولا سيادة على اراضيها، فضلاً عن ابتلاع المستوطنات اكثر من 40 في المئة من اراضي الضفة الغربية.
لذلك، ليس مستغربا كل ذلك التشاؤم الذي يحوط بالمفاوضات المباشرة، لا سيما انه ليس من ضمانات بأن لا تتكرر تجربة انابوليس، فيتحول التفاوض الى مجرد تفاوض من دون أفق زمني ومن دون أفق سياسي.
وبعد ذلك ليس أسهل من إلقاء اللوم على الفلسطينيين. هكذا تدل تجارب المفاوضات الجارية منذ 18 عاما!
"النهار"




















