قد تستخدم كلمة العقل بصورة مكثفة في تراث معين، لكن ليس كل استخدام لهذه الكلمة يحيل إلى مفهوم العقل كما تم توظيفه في تجربة العقلانية الغربية الحديثة. فالعقل في هذه التجربة يتحدد بثابتين رافقاه خلال تطوره التاريخي، الثابت الأول العلاقة المباشرة بين العقل والطبيعة، والثاني هو قدرة العقل على كشف أسرار الطبيعة، فيتوجه إليها مباشرة، فمعقولية موضوعية يجب اختبارها في الواقع للتأكد من النتائج، وبالتالي هل تؤدي الوسائل المستخدمة للوصول إلى النتائج المتوخاة. فالمعقول هو الطبيعي، لذلك لا وجود لشيء خارق للطبيعة من الممكن اعتماده للإجابة على الأسئلة التي تطرحها الطبيعة. فمهمة العقل هي إدراك الأسباب للوصول إلى النتائج المتوخاة، وهو القانون المطلق، والعلاقة بينه وبين الطبيعة هي علاقة مطابقة، وهذا التطابق يتوقف على ما تعطيه التجربة للعقل، وما يجدد به العقل معطيات التجربة، فكلاهما شاهد على الآخر. وقد أدى تقدم العلم إلى النظر إلى العقل بوصفه فعالية، بحيث لم يعد ينظر إلى العقل بصفته مطابقة للطبيعة فحسب، بل أصبح بالإمكان الاعتماد على النشاط العقلي لبناء منظومات نظرية تشمل مختلف الظواهر، يمكن التحقق منها تجريبياً، مما جعل العقلانية المعاصرة تتصف بكونها عقلانية تجريبية.
يبدو الكلام نافلاً، فهو يقر وقائع معروفة، وأعتقد أن المشكلة في هذه الوقائع المعروفة ذاتها، أو بالأصح بالموقع الذي ينظر منه إليها. من السهل لأي مطلع متعمق في التراث العربي – الإسلامي، أو حتى صاحب معرفة سطحية، أن يحشد عشرات الشواهد على استخدام مفهوم العقل والتأكيد عليه في التراث. ولا يمكن الصمود في مواجهة دلائل استخدام العقل في هذا التراث، ولا يمكن نكران أنه مفهوم مركزي، ولكن عن أي عقل نتحدث؟
في كتابه "مفهوم العقل" يشكك عبد الله العروي في جدوى نوع من الكتابة الذي مارسه وآخرون في المشرق والمغرب، والذي اعتقد انه من خلالها يستطيع أن يحدد الوضعية التاريخية، وهل ما نقوله عن أنفسنا يتساوق مع الأهداف المعلنة وينطبق على الواقع؟ يعترف بأنه كان متفائلاً أكثر من اللازم، وأن هذه البحوث لم تؤد دورها المطلوب. فهو يتوقف عند هذا الحد من البحث عن تحديد المفاهيم، ويبرر ذلك، بأن الاستمرار يؤدي إلى التكرار لأن ما كتبه في سلسلة المفاهيم يمثل فصولاً في مؤلف واحد حول مفهوم الحداثة. إن اليأس يظهر جلياً في خاتمة الكتاب، حبث يضع كل الأعمال التي حاولت استلهام الحداثة ومفاهيمها موضع الشك بإمكانية اكتسابها فعالية في السياق العربي، وعلى رأس هذه المفاهيم مفهوم "العقل"، فهو يرى أن العقل الذي نتكلم عنه باستمرار – في السياق العربي – تصريحاً أو تلميحاً، هو مفهوم نظري، حتى عندما ينطبق على السلوك، ما نسميه بالعقل العملي. نتكلم عندئذ على نظرية الأخلاق لا على نظرية العادات. نبرّر الواجب منها فلا ندرك الملاحظ. نسمي أخلاقاً الأفعال الخاضعة لقواعد مفروضة وأن ناقضت المصالح المتعلقة بها، بل لا تكون أخلاقية إلا بالنفي والمعاكسة، وهو ما يطلق عليه "عقل المطلق" والذي يؤدي حتماً إلى عدم التمييز بين مفهومين (عقل الاسم وعقل الفعل). فهو يقول العقل فعّال بطبعه: يقول ذلك بعبارات متباينة، الحكيم والمتكلم والمتصوف والفقيه والمحدث. يختلفون حول العبارات والأحكام إما التصورات، والتوجهات فهي واحدة. والعقل عندهم جميعاً تأويل، فهو عقل الأمر والاسم، والعلم هو فقه الأوامر. وما سُمّي الواقع واقعاً إلا لأنه وقع من أعلى وكان ثنياً على بدء.
يقوده هذا التحليل إلى التمييز بين عقلين: أحدهما يهّم الفكر وحده، هدفه النظر في شروط التماسك والاتساق، والثاني يهم السلوك أو الفكرة المجسدة في فعل، هدفه النظر في ظروف مطابقة الوسائل للأهداف المرسومة. الأول عقل المطلق، والثاني عقل الواقعات، أفعال البشر المتجددة. وهنا الفرق الجوهري والقطعية الجوهرية بين القديم والحديث. ويحدد مفارقة العقل في آخر التحليل بوصفها تناقضاً بين العدة الذهنية والواقع الاجتماعي. والمطلوب حسب العروي للخروج من هذه المفارقة، الحسم بالتمرن على منطق الفعل، حتى لا ينقلب العقل إلى لاعقل.
فالعقل المنفعي وهو مفهوم مرذول في الثقافة العقلانية العربية، هو ما يجب إعادة الاعتبار له، ولا يمكن الحكم على جدوى الأدوات الذهنية، دون الوصول إلى نتائج تؤكد شرعية هذه الأدوات، وتشريع العقل النفعي، هو وحده القادر على ردم الهوة التي نراها كل يوم أمامنا، بين السلوك المنفصم عن إطار تبريره العقلي والنظري.
" المستقبل "




















