بعد «حرية العراق» التي كلّفت البلد مئات الآلاف من القتلى، يبزغ لدى الأميركيين «فجر جديد» باكتمال سحب مئة ألفٍ من جنودهم من بلاد الرافدين.
أوفى الرئيس باراك أوباما وعده الانتخابي الذي قطعه قبل وصوله الى البيت الأبيض، ليستثمره مجدداً في حملة التجديد النصفي لأعضاء الكونغرس، ولو اتهمه بالنفاق خصومه الجمهوريون.
«الفجر الجديد» لا يبشّر بنهاية قريبة للأزمة الحكومية- الدستورية في العراق. «الفجر الجديد»، يقول أوباما، سيبزغ في أميركا إنعاشاً لاقتصادها وإنفاقاً أكثر على شعبها، بدلاً من هدر بلايين الدولارات في العراق. وما لم يقله الرئيس ويدركه الأميركيون، أن مئات البلايين التي أُنفِقت وسقوط 4400 قتيل في صفوف جيشهم لم تكن ثمناً كافياً لإنقاذ مشروع ديموقراطية في بلد الدمار والعنف الطائفي، وآبار النفط وملايين الفقراء.
يمتنع أوباما عن الاحتفال بنصر، فيستحق إشادة بـ «تواضعه» المضلِّل إزاء الحقائق السود التي يصرّ نوري المالكي على اعتبارها من صنع المشككين بما أنجزه عهده. حين يبتهج المالكي بيوم «استقلال العراق»، لا يرى وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس شيئاً على ما يرام، بعد أكثر من سبع سنوات على إطاحة صدام. وحين يطمئن رئيس الوزراء العراقي مواطنيه الى انحسار دورات الدم، تتراجع قليلاً حصيلة ضحايا التفجيرات الجوّالة، فتستقر ايضاً عند بضع مئات في شهر. وإذا كان غيتس لا يرى سوى مستقبل «غامض» للبلد، بسبب استمرار العنف «الطائفي»، ما الذي يمكن العراقي أن يحتفل به في «يوم الاستقلال»؟
لم تعد شأناً مصيرياً للعراقيين محاكمة «أخلاقية» الحرب التي لم تنكشف بعد كل فظائعها وفضائحها، ولا مصير آلاف من البشر اختفوا في مرحلة الصراع، أو مئات الملايين من الدولارات التي تبخرت، فيما كان مئات الآلاف من العراقيين يعانون الإذلال في الخارج طمعاً بالهروب. وإن كان شريك بوش في الغزو، رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، لم يجد بعد مبرراً كافياً للاعتذار عن حرب «شرعيتها» كذبة كبرى، فهو بدا ممثلاً فاشلاً يستدر الشفقة، لإحساسه بكابوس «القاعدة» وإيران «المباغت» في العراق بعد الحرب.
«فجر جديد» بعد «حرية العراق»، صفحة أخرى لواشنطن التي تحتفظ بخمسين ألف جندي هناك، حتى نهاية 2011، لكن للصفحة حروفاً أخرى لا يقرأها العراقي بوعود ساسته، ولا بإشراقة «الفجر» الأميركي الذي بزغ على وقع «انتفاضة» جديدة للقتل العشوائي، من الجنوب الى الشمال… وبعيداً من السجال حول عدم تمييز المالكي بين الطموحات والواقع، أو مساءلته حول دستورية إصراره على ان يكون رئيس الوزراء الأوحد، أيُّ وعودٍ يمكن العراقي ان يقطفها من ألسنة ساسته في «جنة ديموقراطيتهم»، فيما البلد ممزق بالقتل والبنى التحتية المدمرة، والفساد، وصراع الإرادات بين التحالفات… أي ديموقراطية يحميها هؤلاء القادة، ويوم «الاستقلال» كان تمديداً لفراغ دستوري ولشلل المؤسسات، وتوثباً ربما لجولة مختلفة من الاحتراب على منصب رئيس الوزراء؟
أما مقاربة الفارق بين «نهاية حال حرب» أميركية، وتصعيد أعمى للعنف، فلعل فيها ما يفسر الإحباط الأميركي الصامت، من عدم تقدير غالبية العراقيين وأحزابهم «نعمة الديموقراطية» التي لو أدركوها لما تمادت أزمة تشكيل الحكومة، بل لتنازلوا اعترافاً بـ «تضحيات» الشريك الأميركي! المعضلة أن مَن يُطلب منه التنازل هو أياد علاوي الفائز في انتخابات ديموقراطية، بينما يبدو المالكي مطمئناً الى ان الصيغة «السحرية» التي ستفرض بقاءه في كرسي رئاسة الوزراء، لم تفقد مفعولها بعد، طالما هو مرشح تهدئة تريدها الولايات المتحدة لصراعها مع إيران على الساحة العراقية، حتى آخر 2011.
ربما لم يبالغ وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري في استبعاد الفراغ الأمني أو السياسي الذي قد ينجم عن اكتمال سحب مئة ألف جندي أميركي. فالفراغ الكبير هو القتل بالجملة المستمر منذ الغزو، بين فترات مد وجزر، بصرف النظر عن هوية القاتل… سيصعّد الانتحاريون هجماتهم على الجيش والشرطة، فيما المدهش قدرة القوى السياسية على الإمعان في مشروع انتحار الشرعية الدستورية. وأما القدرة على تحذير الجوار – إيران وتركيا خصوصاً – من محاولة ملء الفراغ، فتحيل على سؤال يفترض جهل العراقيين بموقع طهران وأنقرة على خريطة أدوار، بعضها يتجاوز السياسة.
أوباما لم يدّع النصر، والأكيد ان العراقيين لا يمكنهم ادعاء الاستقلال، في وجود 50 ألف جندي اميركي، وخلايا لـ «القاعدة» وأصابع طويلة للإرهاب، وإصرار «وطني» على استئثار قوة بالحكم.
أي استقلال ووحدة البلد في نفق التسويات المظلم… بين الداخل والخارج؟
"الحياة"




















