حسناً فعل باراك أوباما عندما امتنع عن «الاحتفال بالنصر» في العراق، وقرر عدم تهنئة نفسه على «إنجاز» إنهاء المهمات القتالية، لأن الأوضاع في هذا البلد الذي يتركه الأميركيون جزئياً بعد سبع سنوات ونصف من الاحتلال، حيث لا حكومة ولا أمن، لا تبشر بالخير كثيراً، وقد يضطر جيشهم الى تسريع موعد الانسحاب الكامل الذي حدده في نهاية العام المقبل، كي لا يتحول الخمسون ألف جندي الذين بقوا على أرض الرافدين رهائن وأهدافاً حية لكل من يرغب في الضغط على واشنطن لانتزاع مكاسب في العراق نفسه أو تنازلات في ساحات أخرى.
وبالتأكيد فإن تصريحات نوري المالكي التي تستنكر التشكيك في قدرة القوات العراقية على حفظ الأمن لا يمكنها أن تخفي الحقيقة المرة، وهي أن هذه القوات، على غرار سائر مؤسسات الدولة العراقية، مقسومة الولاءات والمراجع، وضحية للتجاذبات السياسية الداخلية والخارجية، وأداؤها مرهون بتوافق مفقود، بل إن هذا التوافق نفسه إذا وجد سيكبل يديها ويمنعها من فرض سيادة دولة القانون.
وبالتأكيد أيضاً، فإن التحالف غير المعلن القائم بين «القاعدة» و «البعثيين»، وكل من يلبس قناعهما ويختفي وراء شعاراتهما، لن ينتظر كثيراً قبل معاودة الكباش الدموي الذي قدموا «عينات» منه أخيراً مع استهداف مراكز الشرطة العراقية في سائر المحافظات. لكن الخوف الحقيقي هو أن ينجح هؤلاء في تحقيق هدفهم الرئيس، أي إعادة إذكاء العنف الطائفي الذي أفلت من عقاله لسنوات وحصد عشرات آلاف الضحايا وكاد يهدد المنطقة بأسرها.
وإذا كان وزير الدفاع الأميركي غيتس يعتبر أن بلاده «لم تعد في حالة حرب» في العراق وأن قواتها الباقية ستكتفي بالتدريب والنصح، فأعداؤها الكثر لن يسمحوا لها بهذا الترف. بل سيبذلون كل جهد ممكن لتنفيذ شعارهم القائل بأن السلطة التي جاءت على متن دبابات الأميركيين يجب أن ترحل معهم. وتندرج في هذا الإطار مقولة إن العراق سيظل مُحتلاً ومكبل الإرادة طالما هناك جندي أميركي واحد على أرضه.
وإذا كان الأميركيون ومعهم العالم يجمعون على أن حرب العراق انتهت، خصوصاً بالنسبة الى الولايات المتحدة، بفشل ذريع وبخسائر بشرية ومادية هائلة وبغموض سياسي وبتوسيع مروحة الأعداء، فالأمر ليس أفضل بالنسبة الى العراق نفسه حيث الانقسامات بين الطوائف والقوميات تفرض تحديات هائلة سيكون من الصعب على أي حكومة مقبلة إيجاد حلول لها في المستقبل القريب، إضافة الى انها تفتح البلد أمام تدخلات من خارج الحدود، ولا سيما من جانب إيران التي لا بد أن تقلقها عودة العراق موحداً وقوياً وهي لا تزال تبكي قتلى حربها معه.
هل كان يجب أن يسحب أوباما القوات الأميركية بكاملها من العراق؟ ربما، لأن بقاء ثلثها تقريباً لن يستطيع وقف دورة العنف القادمة، وسيشكل ذريعة ملائمة لكل الراغبين في العبث بأمن هذا البلد، وقد يضطره أيضاً الى «مسايرات» أكبر بكثير من السماح بتزويد مفاعل بوشهر بالوقود النووي.
كان الهدف الأميركي المعلن للغزو إقامة نظام ديموقراطي في العراق يكون نموذجاً يحتذى في المنطقة. وحتى لو لم يكن ذلك صحيحاً، فهو كان على الأقل الحلم الذي راود قوى المعارضة العراقية لنظام صدام حسين، لكن التجربة أظهرت للأسف أن الذين في جوار العراق ويتهددهم مثل هذا النموذج لا يزالون الأقوى.
"الحياة"




















