نكمل حديث الأمس حول دمشق القديمة التي لا تزال تحتفظ بطابعها القديم، ولا تزال تعبق بروح التاريخ والأصالة، بين حاراتها وأسواقها الجميلة ينسى الزائر نفسه، وتمضي الساعات سريعة دون أن يشعر فيها بالوقت، ومهما طالت المدة التي يقضيها المرء هناك يأبى الملل أن يتسلل إلى النفس لجمال و روعة ما يرى.
من ذا الذي لا يعرف سوق «الحميدية» الذي تزخر محلاته بكافة أنواع السلع والمنتوجات السورية الخالصة على جانبي السوق الممتد بطول 600 متر وعرض يبلغ 15 متر ويرتفع بطابقين. وفي هذا السوق لابد لزائره أن يتوقف عند «بوظة بكداش» ليتذوق «الأيس كريم» المحلي الذي يدق يدويا ويصنع قبيل التقديم، هو المحل الذي تتصدر جدرانه صور لملوك ورؤساء دول زاروا الشام، فمروا من هناك وتلذذوا بأكل البوظة والمهلبية المطعمة بالفستق الحلبي، حاله في ذلك حال عشرات المحلات والمقاهي والمطاعم التي تفخر بصور مشاهير توقفوا عندها. وإلى الأمام يستقبلك في عظمة الجامع الأموي الشهير، وأي حديث عن هذا الجامع في وسعه أن ينقل الصورة كما هي الأصل.
و بالقرب من سوق الحميدية هناك مجموعة من الأسواق القديمة الجميلة مثل سوق مدحت باشا. ويشتهر هذا الجزء بمعامل ومحلات وحانات ويتفرع منه سوق الخياطين والصوف وغيرها ومن الأسواق الدمشقية، كذلك سوق البذورية أو كما تنطق هناك «البزورية» وتباع فيه أنواع البذور والفاكهة المجففة وقمر الدين، وهي من الصناعات الدمشقية الغذائية التي تصنع بشكل يدوي. وهناك سوق الحرير أو سوق «النسوان» أو كما يطلق عليه البعض سوق «تفضلي يا ست» وهو متخصص لبيع اللوازم النسائية، وفي هذه الأسواق يوجد حمام دمشقي قديم هو حمام نور الدين وفي بداية السوق يقع قصر العظم الأخاذ.
ما يبعث على السرور في دمشق القديمة هو الاهتمام الكبير الذي توليه السلطات هناك بكل حبة رمل فيها، إذ تعتبر دقة مسمار فيها بمثابة «المحرمات» وحتى خضوع هذه البيوت لعمليات الترميم لا تتم إلا بالحصول على ترخيص بذلك تصدره لجنة فنية بعد التأكد من وجود ما يستوجب الإصلاح، وفق شروط تحدد استخدام نفس المواد التقليدية المكونة للبناء، ويشترط في الترخيص عدم إحداث تغيير في مواصفات البيوت القديمة.
وأي خلل لهذين الشرطين كفيل بإيقاف الترميم حتى لا تفقد قيمة النسيج المعماري، بل أكثر من ذلك فإن السلطات هناك تصدر الأوامر والقوانين التي تحفظ لبيوت دمشق القديمة وجودها وهويتها المعمارية والتاريخية. وهذه البيوت يسمونها هناك بيوتا عربية، منعا للتجاوزات التي يقدم عليها البعض ممن أحالوها مطاعم تستقطب السياح والمرتادين المحليين، فتناول وجبة غداء أو عشاء في باحة بيت من البيوت الدمشقية تكفي لأن تحيل الوقت ظهرا كان أم أمسية إلى أروع الأوقات وتجعله من أجمل الذكريات.
"البيان"




















