كثيرا ما يكون للتوقيت المتعلق بالإعلان عن موقف معين أهمية لا تقل عن أهمية الإعلان ذاته، أو قد يحمل التوقيت رسالة مضافة ترتبط بالموقف وآفاقه وسياقاته المستقبلية. نتذكر ذلك بعد صدور إعلان اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين في الثامن من ديسمبر في بروكسل الذي تضمن التأكيد على رفع مستوى وتيرة العلاقات الثنائية مع إسرائيل، وذلك وفقا لما اتفق عليه بين الطرفين في منتصف يونيو الماضي على أن يدخل حيز التنفيذ في ابريل 2009.
أهمية هذا النوع من الاتفاقات انه يعكس ويعزز في الوقت نفسه ما يمكن اعتباره علاقات مميزة قائمة على التشاور والتنسيق والتعاون في مختلف المجالات ومنها السياسي والاستراتيجي والاقتصادي والعلمي، ويتعامل مع الطرف العضو في الاتفاق وكأنه عضو في الاتحاد في مجالات عدة دون بالطبع أن يكون عضوا رسميا أو دون أن يكون له بالطبع حق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ولم ينفع تحذير بعض العرب وبالأخص الفلسطينيين ولا التحفظ الذي أبداه بعض الأوروبيين دون التوصل إلى هذا الإعلان الجماعي الأوروبي.
ملاحظات خمس يتعين التوقف عندها في هذا الشأن:
أولا: كان مفاجئا الإسراع لا بل التسرع الأوروبي في ظل الظروف الراهنة في التوصل إلى هذا الإعلان الذي كان متوقعا أن يصدر في الربيع المقبل. التفسير أو «التبرير» الذي قدم هو أن الاتحاد الأوروبي يريد أن يساهم من خلال هذا التوقيت في تقديم «هدية» انتخابية إلى كاديما «حزب الاعتدال» وزعيمته تسيبي ليفني وعدم الاضطرار لتقديمها لاحقا لبنيامين نتنياهو زعيم الليكود ورمز التطرف باعتبار أن نجاحه وحزبه مرجح في الانتخابات القادمة في فبراير، فالمسرعون في التوصل إلى هذا الاتفاق يراهنون على انه قد يؤثر في مجرى الانتخابات النيابية الإسرائيلية.
ثانيا: تجاهل وزراء الخارجية موقف البرلمان الأوروبي الذي رفض المصادقة على قرار رفع مستوى العلاقات في ظل الأوضاع السائدة في غزة بشكل خاص وفي النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل عام ولم تنفع تحذيرات نائبة رئيس البرلمان الأوروبي لويزا مورغانتي وقولها ان البرلمان الأوروبي اثبت في موقفه انه «ليس أصم أمام عذابات أهل غزة والضفة الغربية».
ثالثا: نجحت تسبي ليفني في الأسبوع الذي سبق الإعلان في «حملتها» في بروكسل والداعية إلى عدم الربط الذي كان يحضر له الأوروبيون بين الإعلان عن رفع العلاقات مع إسرائيل من جهة، وهو الأمر الذي يسمح لها كما اشرنا سابقا في المشاركة في العديد من نشاطات الوكالات والهيئات التابعة للاتحاد الأوروبي، وبين التوجه الأوروبي الذي كان قد أعلن عنه لجهة اعتماد وزراء الخارجية للوثيقة التي كانت بلورتها فرنسا بصفتها رئيسة الاتحاد الأوروبي، والتي تحمل عنوان خطة العمل الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط.
فالوثيقة عارضتها ليفني بشدة وهي تشمل العديد من النقاط الايجابية، ويفترض أن تمثل خريطة طريق لعملية السلام المعطلة وإعادة تفعيلها، كما تحمل مقترحات عملية وخاصة للإدارة الاميركية الجديدة. فاختفت الوثيقة عن مداولات الوزراء واكتفى بأن تبقى كوثيقة عمل رسمية تم اعتمادها على مستوى اللجنة السياسية الأمنية في الاتحاد. وبالطبع المسافة شاسعة والرسائل مختلفة بين ما كان يفترض أن تمثله الوثيقة وما آل إليه وضعها لاحقا.
رابعا: حاول الاتحاد الأوروبي في بيانه «إغراق السمكة في المياه» من خلال التعامل مع المسألة رغم طبيعة طرفها الإسرائيلي، دولة احتلال، وسياساته وتوقيتها وكأنها مسألة فنية في إطار نجاح إسرائيل في تحقيق شروط سياسة الجوار الأوروبية لإقامة علاقات مميزة من جهة، ومقابل الإشارة إلى اللقاءات العالية المستوى والاتصالات الجارية والوعود برفع مستوى العلاقات مع السلطة الفلسطينية ودول عربية متوسطية، وذلك بنية إحداث بعض التوازن وتخفيف حدة الصدمة على الصعيد العربي.
خامسا: نعود إلى التوقيت الذي يقوم عليه تجاهل الاتحاد الأوروبي لسياسة التصعيد الإسرائيلية في الأراضي المحتلة وتجاهله لسياسة العدوان الناشط الذي يقوم به المستوطنون ورغم مواجهة السلطة لاعمال الشغب التي يقومون بها، إلا أن مسؤولية السلطة تبقى أساسية في هذا المجال فهي التي صنعت وشجعت سياسة الاستيطان وما يحصل هو نتاج طبيعي لسنوات من الشحن السياسي والأمني والعقائدي للاستيطان مقابل تجاهل النتائج الخطيرة لهذه السياسة المستمرة على مستقبل السلام في المنطقة. ولا يكفي أن يأتي قرار رفع العلاقات ضمن ديباجات دبلوماسية تحاول إحداث ربط يبقى لفظيا بين هذا القرار وما يحمل من نتائج من جهة، وتقدم عملية السلام من جهة أخرى.
مرة أخرى لم يلتقط الاتحاد الأوروبي فرصة ثمينة للتموضع كلاعب مؤثر في دفع عملية السلام عبر سياسة العصا والجزرة، وقد يبلور من خلال هذا القرار، سياسة عنوانها وعود مقابل إجراءات: وعود للفلسطينيين والعرب مقابل إجراءات تشكل نقلة نوعية في مجمل العلاقات الأوروبية مع إسرائيل في لحظة تستمر إسرائيل في رفض الدخول في مفاوضات فعلية وحسب مرجعيات معروفة ومقررة سابقا، كما تستمر في فرض سياسة الأمر الواقع التي تبعد كل يوم احتمال التوصل إلى سلام فعلي في المنطقة.
كاتب لبناني
hitti@wanadoo.fr
"البيان"




















