المستقبل
المسافة بين مدينتي مومباي في الهند والعاصمة التونسية بعيدة جداً، ولكن الأبعد من ذلك هي المسافة بين ما حدث في المدينتين في يوم واحد. ففي الوقت الذي كان الإرهاب يضرب المدينة الهندية الكبرى، وباسم الإسلام، كانت مدينة تونس تشهد ولادة وثيقة إسلامية جديدة ضد الإرهاب.
تفاصيل الجريمة المروعة التي هزّت مومباي معروفة. فقد كانت على شاشات الفضائيات العالمية، كما أنها ملأت الصحفات الأولى في الصحف والمجلات الدولية المختلفة. غير أن تفاصيل وثيقة تونس يكاد لا يعرف بها سوى أهل تونس والذين اشتغلوا على وضع الوثيقة وإقرارها في مؤتمر منظمة الأسيسكو (المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة التونسية).
فبعد أيام ثلاثة من الدراسات والمناقشات حول قضايا الشباب في العالم الإسلامي، صدرت الوثيقة التي خصصت إحدى فقراتها لموضوع الإرهاب. وقد أقرّت بأن الإرهاب آفة العصر، لا دين له ولا وطن، ومن الظلم البيّن اتهام الإسلام والمسلمين به، والفكر التكفيري المتطرف المنحرف، مدان بجميع أشكاله ومظاهره ومصادره، ويعدّ اعتداء على الحقوق الأساسية للنفس البشرية، ويمثل تهديداً لأمن الدول واستقرارها، يجب تضافر الجهود لمكافحته وتجفيف ينابيعه، وذلك من خلال عقد مؤتمر دولي بإشراف الأمم المتحدة لوضع تعريف له، وفضح محاولات الربط بينه وبين الإسلام، وتأكيد أن محاربته تتم وفق مبادئ حقوق الإنسان والشرعية الدولية وسيادة القانون، مع التفريق بينه وبين حق الشعوب في تقرير مصيرها والذود عن حمى أوطانها ضد الاحتلال.
وقد وصفت الوثيقة الاحتلال بأنه أبشع أنواع الاستعباد وفي إطاره تُمارس شتى صنوف القهر والإرهاب، وللشعوب التي تعاني منه الحق في مقاومته، وعلى كل أحرار العالم مناصرتها في نضالها لتصفيته والتحرر من ربقته.
انطلق هذا الموقف من الإرهاب وأهله من قاعدة أساسية وهي تجديد مفهوم للإسلام يقول إنه "دين السلام والسماحة والتآخي البشري، وأن الحوار مبدأ من مبادئه السامية، يقرّ الاختلاف ويعترف بجميع الأنبياء والرسل ورسالاتهم، وشكلت حضارته زمن ازدهارها وريادتها نموذجاً راقياً للتسامح والتواصل والتفتح، وأسهمت في مسيرة الحضارة الإنسانية، ووطدت أواصر التعاون والتعايش والسلام والمحبة والتلاقح الثقافي".
و"إن إسهام الإسلام في ساحة العطاء الإنساني، والفعل الحضاري من أجل بناء السلام حاضراً ومستقبلاً على أسس قوية تصمد أمام الأزمات الطارئة والأحداث المفاجئة التي من شأنها أن تهزّ الاستقرار الدولي وتروع الضمير الإنساني، وإعداد شبابنا للإسهام في تأكيد هذا الدور على الصعيد العالمي".
كان مؤتمر تونس يعد أطروحة لتحديد ولمعالجة القضايا والإشكاليات المعقدة التي يواجهها شباب العالم الإسلامي، وذلك بهدف تمكينه من التصدي للتيارات الفكرية والعقائدية الهدامة التي تجتاح الساحة العالمية وليتحمل قسطه من المسؤولية في تعزيز وحدة الأمة الإسلامية وتوطيد أركانها. وكذلك تعزيز إيمان الشباب بأن سبيل الخلاص من المأزق الحضاري والأزمات الفكرية والأخلاقية والاقتصادية العالمية، والصراعات والنزاعات الطائفية الدولية التي تؤرق البشرية، يتمثل في الاسترشاد بقيم الإسلام وتعاليمه، والإفادة من ثقافات غيره، لتقديم البديل الحضاري القادر على ترشيد الحضارة الحالية، والقائم على فلسفة التعمير والاستخلاف، ومبادئ الحق والهدى والعدل والحرية والرحمة والسماحة وغيرها من المبادئ الإسلامية الإنسانية السامية.
وسط هذه الأجواء جاءت جريمة مومباي لتؤكد مدى الحاجة الى ترجمة هذه النظريات الإسلامية الى وقائع. فالهوة واسعة جداً بين التنظير وما يجري على الأرض. واذا ما بقيت الدراسات والأبحاث كتلك التي نوقشت في مؤتمر تونس محصورة ومغلقة ضمن جدران المنتديات، وما لم تصل الى العامة من الناس وتصبح جزءاً من برامج التربية والتعليم والتوجيه الديني، فإن الجرائم الإرهابية التي ترتكب باسم الإسلام سوف تستمر، وسوف تستمر معها عمليات تشويه صورة الإسلام والإساءة الى أهله.
لقد قرّر مؤتمر تونس إعادة صياغة الخطاب الديني الموجّه الى الشباب من حيث توازنه مع قضاياهم وأفكارهم وسلوكهم وثقافتهم، وتأكيد أولوية الحوار البنّاء والمباشر مع شرائح الشباب والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة التربوية في تأصيل مكانة الأسرة، وتأكيد فعالية الأساليب الأسرية الإيجابية في تربية النشء وإعداد الشباب والعمل على تقديم النماذج الحيّة من خلال وسائل الإعلام لتوعية الشباب بالأهمية القصوى للبناء الأسري المتين.
ولكن السؤال هو كيف؟. وأين هي النماذج الحيّة التي تقدم الى الشباب المغرّر بهم لارتكاب جرائم القتل على النحو الذي بدأ في نيويورك في 11/9/2001 وتواصل في مدريد ولندن، ثم في معظم الدول العربية والإسلامية، والذي وصل الآن الى الهند؟.
لقد انتقل التعامل مع ظاهرة ارتكاب أعمال إرهابية باسم الإسلام من مرحلة تبرير ردات فعل إرهابية باعتبارها رداً على الاعتداء على دول وشعوب إسلامية، وعلى انتهاك حقوقهم ومقدساتهم وكراماتهم.. الى مرحلة إدراك خطورة ردات الفعل هذه التي تنفذ عشوائياً على صورة الإسلام وأهله شعوباً وأفراداً. ولم يعد هناك من ينظر لمثل هذه الأعمال بعد أن بلغت مستويات خطيرة جداً من الخطر، وبعد أن ألحقت بمصالح المسلمين أفدح الضرر. وينتقل هذا التعامل الآن الى مرحلة أكثر تقدماً وجرأة تتجاوز عدم تبرير أو عدم تغطية الأعمال الإرهابية أياً تكن الدوافع اليها. وتتمثل هذه المرحلة الجديدة بوجوب التصدي لهذه الظاهرة فكرياً وتربوياً ودينياً. ذلك أنه كما تقول شرعة الاونسكو، فإن الحرب تبدأ في عقل الإنسان. وكذلك الإرهاب.
من هنا التركيز على مخاطبة العقول لغسلها مما يكون قد علق فيها من ثقافة اللجوء الى العنف، والى إعادة تكوينها على قاعدة نبذ الغلو والتطرف الذي نهى عنه الإسلام.
ولم تغفل وثيقة تونس الدعوة الى إيلاء الاهتمام الكبير بالظروف المأسوية للشباب في الأراضي المحتلة ومناطق النزاعات والحروب، وبالخصوص في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال، وتأكيد ضرورة حمايتهم والدفاع عن عدالة قضاياهم، والاستجابة لاحتياجاتهم، ودعم مطالبهم المشروعة في الاستقلال والتحرّر من الاحتلال.
إلا أنها في الوقت ذاته نصّت على زيادة وعيهم بمنظومة القيم الإسلامية، وبأهمية التفاعل مع الثقافات الأخرى، والإفادة من المنجزات الحضارية التي تعكس الغنى والتنوع وتعدّد الخبرات البشرية لإعدادهم لمواجهة التحديات وإدارة التعايش وتدبير الاختلاف، وتمكينهم من الإسهام في التواصل الحضاري، والانخراط الواعي في حوار حقيقي بين الحضارات والثقافات الإنسانية.
من هنا يبدو السباق مستمراً بين إشاعة ثقافة السماحة والانفتاح في المجتمعات الشبابية الإسلامية على نحو ما جرى في تونس، وبين السقوط المروع في الإرهاب على نحو ما جرى في مومباي بالهند. ولا شك في أن هذا السباق محسوم لمصلحة السماحة على التطرف، والسلام على الإرهاب.. ولكن المهم هو متى؟.




















