ألقى رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، مطلع الأسبوع الجاري، قنبلة سياسية من العيار الثقيل، فاجأ بها أوساطه، كما خصومه، من خلال إقراره بوجود شهود زور ضلّلوا التحقيق في جريمة اغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأساءوا إليه، واعترافه بارتكاب خطأ جسيم في حق سوريا عبر اتهامها سياسياً بالجريمة.
إذن، هي المرة الأولى التي يعترف فيها الحريري بوجود شهود زور، ويقرّ بدورهم في تخريب العلاقة بين لبنان وسوريا وفي تسييس التحقيق في جريمة اغتيال الحريري، ما يعني انقلاباً أبيض على جوهر الخطاب الذي اعتمده و«فريق 14 آذار» طيلة السنوات الخمس الماضية.
ولعل أهمية الاعتراف المزدوج تكمن في ما قد يليه من خطوات مكمّلة له، سياسياً وقضائياً، وفي تداعياته على مجمل الواقع السياسي اللبناني، خاصة لما شكّله من نقض لمرحلة سياسية كاملة عمرها خمس سنوات تعرّض فيها لبنان لانقلاب سياسي وتعرّضت خلالها العلاقات اللبنانية- السورية لاختبار غير مسبوق.
وبحسب المراقبين، فإن مبادرة الحريري غير المتوقعة، وربما الأهم منذ أن أصبح وارث رفيق الحريري، قد تبدو خطوة إضافية على طريق تكريس الثقة مع دمشق، من خلال الاعتراف بفضيلة الخطأ، وقد تكون تلك الخطوة مطلوبة سورياً وسعودياً، لكنها لا تحجب أسئلة كثيرة، خاصة حول الدور المطلوب من رئيس الحكومة لإخماد الفتنة الكبرى إذا استمرّ مسار القرار الإتهامي متجهاً صوب حزب الله.
وبحسب المراقبين أيضاً، بدا الحريري وكأنه يردّ على تيار المستقبل نفسه وعلى كتلته النيابية، بعدما كان الناطقون باسمه يرفضون حتى الأمس القريب الإقرار بمبدأ وجود شهود الزور، ويعتبرون أن هذا المصطلح هو مجرد «هرطقة» قانونية لا مكان لها في الإعراب القضائي، ناهيك عن أن موقفه المستجدّ يجوّف طرح حليفيه المسيحيين في «فريق 14 آذار»: القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللذين يصرّان على تجاهل شهود الزور.
ولكن كلام الحريري، بحسب نائب حزب البعث قاسم هاشم، يعكس بطبيعة الحال «نقداً ذاتياً جريئاً وشجاعة أدبية في التراجع عن بعض الأخطاء، وقد لا يكفي بحدّ ذاته لمحو الندوب التي تركتها المرحلة السابقة على جسد العلاقات اللبنانية اللبنانية ما لم تكن له تتمة»، مشيراً لـ «البيان» الى أن «الاتهام السياسي لسوريا وحلفائها جرّ تحولات بنيوية في تركيبة السلطة والإدارات لا تزال سارية المفعول حتى الآن».
تصويب العلاقة مع حزب الله
وفي انتظار أن تحمل الأيام المقبلة إجابات عن الأسئلة المرتبطة بهذا الموضوع، وفي حين يُتوقع أن تساهم انتفاضة الحريري على شهود الزور في الدفع نحو إعادة تصويب العلاقة بينه وبين حزب الله وتكريس التهدئة السياسية، يمكّن الطرفين أن ينطلقا منها في مواجهة التحديات الراهنة والمقبلة، فإن أوساط حزب الله تعتبر أن الموقف الصادر عن رئيس الحكومة يمثل تطوراً مهماً وإيجابياً.
ووفق قراءة النائب نواف الموسوي، فإن كلام رئيس الحكومة «يؤكد صوابية» موقف حزب الله وباقي أطراف المعارضة عندما نزلوا الى وسط بيروت تحت شعار شكراً سوريا في 8 آذار، ويومها، رفضنا اتهام سوريا باغتيال الرئيس الحريري.
وامتنعنا عن الانجراف وراء موجة العداء لها، الأمر الذي عرّضنا لضغوط داخلية وخارجية في موازاة تخويننا، وخيضت انتخابات نيابية وجاءت أكثرية وتشكلت حكومات على قاعدة التحريض على النظام السوري وصولاً الى المناداة بإسقاطه، وقيل إن كل من يصوّت للمعارضة يصوّت لقتلة رفيق الحريري.
إرباك في صفوف «المستقبل»
الى ذلك، بدا أن القنبلة السياسية لرئيس الحكومة اللبنانية انعكست إرباكاً في صفوف أعضاء تيار المستقبل الذين وجدوا أنفسهم ينتقلون فجأة، وبلا مقدّمات، من ضفة عدم الاعتراف بوجود شهود الزور إلى ضفة تبرير الكلام الجديد الصادر عن زعيمهم.
وفي هذا الإطار، كشف مصدر مقرّب من الحريري لـ «البيان» عن أن الكلام الذي قاله الأخير في ما خصّ شهود الزور كان متوقعاً أن يعلنه خلال مهلة شهرين أو أكثر، لكنه قرّر على ما يبدو اختصار المراحل، و«هذا يعني أنه لم يعد بمقدور أي طرف تجاهل وجود شهود الزور، وأن وزير العدل يجب أن يعود إلى مجلس الوزراء بملف شامل لتحديد كيفية متابعة هذه القضية».
كما أشار المصدر الى أن كلام رئيس الحكومة «سيؤدّي حتماً للانتقال إلى مرحلة معرفة من صنع شهود الزور، وهذا سيفتح الباب أمام تغييرات محتملة في فريق عمل الرئيس الحريري».
بدوره، أوضح مسؤول الإعلام في تيار المستقبل راشد الفايد أن الحريري يسعى منذ 2005 لتنحية العلاقة مع سوريا عن الاتهام السياسي لها باغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، مشيراً ل«البيان» الى أن هناك محاولة لبناء أفكار ونتائج على كلام الحريري.
.. والتحالف مع جعجع
أما المحطة الثانية التي لاتزال بالنسبة للحريري قيد البحث عن مخارج، فتتعلّق، حسب المصدر السياسي، بتحالفه مع رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع، والتي تشكّل حساسية خاصة لسوريا وحلفائها في لبنان..
وفي هذا الشأن، قال المصدر إن «الحريري وضع الكرة في مرمى جعجع عندما حدّد سقف خياراته السياسية الجديدة التي شكّل الاعتذار من سوريا عنواناً لها، فبات جعجع أمام خيارات صعبة، أقلّها السير خلف الحريري في الاعتذار وأصعبها الخروج من هذا التحالف نهائياً».
بيروت – وفاء عواد
"البيان"




















