ليس في الحالة الفلسطينية الراهنة ما هو أشد بؤسا وتأكيدا للمحنة من تلك الثنائية التي تتناوب على وعي الفلسطينيين وجدالاتهم العاصفة في محاولاتهم لتدبُر مستقبلهم. نعني هنا بالتحديد تصاعد الدعوات لممارسة المقاومة المسلّحة كلما لاحت في الأفق جولات تفاوض عبثي جديدة، والتلويح بإعادة تلك المقاومة المسلحة باعتبارها البديل المنقذ والإستراتيجي، والذي سيتكفل بتحقيق البرنامج الوطني وإيصال القضية المهددة بالتدمير إلى برّ الأمان والسلامة.
اللافت في دعوات المقاومة المسلحة الجديدة أنها تأتي بتأثيرات مباشرة من خيبات التفاوض، أي أنها لا تنبثق من وعي المرحلة وظروفها، ولا من اشتراطات تأسيس مقاومة مسلحة، لا يمكن أن تنجح أو تتواصل دون تلك الاشتراطات الموضوعية.لا يكفي في حالة الفلسطينيين الراهنة أن تتوفر النوايا والرغبات، وإن تكن طيبة وجادة، ذلك أن الحديث عن مقاومة مسلّحة تتجاوز الممارسات التكتيكية، وتأخذ طابع الديمومة والإستراتيجية لا بد لأصحابها من أن يلتفتوا حقا حولهم، وأن يتأمّلوا الواقع الفلسطيني أولا، و"الحاضنة" العربية ثانيا، ناهيك بالطبع عن عالم السياسة الدولية اليوم، وما يموج في بحره من تيارات تصادم تلك المقاومة المسلحة وتقف لها بالمرصاد.
نتحدث عن الحاضنة العربية، ولا نعني هنا الدولة أو الدول العربية التي يمكن أن تدعم المقاومة بمواقف سياسية ( على ندرة ذلك وصعوبته )، ولكن بالذات عن الفضاء الإستراتيجي الذي يمكن أن يكون امتدادا جغرافيا يوفر لتلك المقاومة الأمان والدعم اللوجستي، ويمنحها القدرة على الاستمرار والنمو ومواصلة العمل لمراكمة إنجازات حقيقية، تتجاوز فكرة المقاومة الموسمية ذات الطابع التكتيكي، والتي لن تحقق على الأرض إلا توفير الدعم لممارسيها في الأوساط السياسية الفلسطينية أولا، والدولية بعد ذلك.
لا أعتقد أن أحدا من الذين يطلقون هذه الأيام الدعوات بإلحاح لاستعادة المقاومة المسلّحة يملك فعلا إجابات جدّية عن أسئلة تلك المقاومة المسلحة واشتراطاتها، فالأمر كله يقع وفي أحسن الحالات في حيز رفض المفاوضات، والبحث عن نقيضها شعبيا وإعلاميا، خصوصا وأن الواقع من حولنا يؤكد ذلك ويثبته. فمن بين كل الحقائق التي يزخر بها هذا الواقع تلك الساطعة في وضوحها، والتي تشير إلى هزال الممارسات المسلحة فلسطينيا إلى الحد الذي يجعلها أعجز من أن تحقق شيئا يذكر في ساحة إفشال المفاوضات الراهنة، أو حتى تحقيق تلاق سياسي فلسطيني من حولها.
ويوضح أكثر نقول إن العجز الذي تعيشه الحالة السياسية الفلسطينية لا يتصل فقط بالمفاوضات والعملية السياسية، ولكنه يشمل بالدرجة ذاتها القدرة على استعادة أساليب الكفاح القديمة ومنها الكفاح المسلّح الذي كان ذات يوم وسيلة أساسية. المسألة هنا لا تتعلق بالرغبات، أو ب"العامل الذاتي" كما يحلو لكثر أن يعتقدوا وأن يشيعوا، بل بظروف توفرت خلال تلك المراحل، وعلى رأسها انقسام العالم بين معسكرين، دون أن ننسى الواقع العربي ذاته، والذي كان لأسباب عديدة يسمح بهذا الحجم أو ذاك من الممارسات المقاومة بالسلاح.
الحالة السياسية العربية اليوم ليست على هذا النحو المتخيل أبدا، بل هي على العكس من ذلك تماما. والغريب أن الكلّ في الساحة الفلسطينية يعرفون الحالة العربية ولا يتوقفون عن هجائها، ويطالبون بتحقيق ما يتناقض معها تماما، فالحالة السياسية العربية رسمياً وحتى شعبياً تشكل نقيضا حادّا ومستنفرا لملاحقة أية نشاطات مسلحة فلسطينية. فعنوان الحالة العربية تجاه قضية فلسطين هو مبادرة السلام العربية، وليس "الجبهة العربية المشاركة" أو حتى المساندة، والزمن ليس زمن "جبهة الصمود والتصدي" رغم خواء تلك الجبهة من فاعليتها واقتصارها على تشكيل حالة اعتراض سياسية ليس إلا، وهي حالة لا ظروف لاستعادتها اليوم عربيا. في سياق ظروف محلية وعربية ودولية كهذه نرى الدعوات المتكررة لاستعادة المقاومة المسلحة مجرّد دعوات لفظية، لا تسندها إسنادا حقيقيا أية عمليات يمكن أن تتحقق في فترات متباعدة زمنيا، ولا تشكل سوى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة ولا ينفيها كما قد يعتقد البعض، وكما يعمد لاستخدام شعار الكفاح المسلح كنوع من المناكفة السياسية مع القيادة الفلسطينية الرسمية.
تحتاج الساحة السياسية الفلسطينية لتطهير نفسها من أمراضها التي أورثتها الضعف وانعدام الفاعلية، ففي ظلّ هذه الحالة الغارقة في فسادها وفوضاها لا أظنُ عاقلا يقتنع أن من يفشل في المفاوضات يقدر على تحقيق انتصارات عسكرية على الدولة العبرية المدججة بالسلاح والمدعومة من أقوى قوة في العالم.
فليذهب الفلسطينيون نحو الجدّية أولاً: نعني هنا استعادة حالتهم الصحية، الطبيعية بكل ما تعني هذه الدعوة من توحيد صفوفهم، وإعادة العلاقة مع الجمهور الفلسطيني إلى ما يجب أن تكون عليه فعلا، كي يمكن لهم الثبات على موقف سياسي متين يستطيع مقاومة المحاولات الإسرائيلية والأميركية لتركيعهم وفرض حلول تصفوية عليهم تنهي قضيتهم الوطنية.
ليست هذه مهمة سهلة التحقيق كما قد يتبادر للذهن، فهي بمعنى ما جهاد مع النفس وضدّ أهوائها ونواقصها. وهو جهاد يستهدف رؤية سياسية واضحة يلتقي عليها الجميع. ويمكنها أن تشكل برنامجا سياسيا يصلح لمخاطبة العالم واستعادة حيوية الدور السياسي الفلسطيني.
في الحالة السياسية الفلسطينية ننتبه اليوم لمهام كبرى، نراها الأكثر حضورا وأهمية، وعلى رأسها مسألة إنهاء الانقسام السياسي بين الكتلتين السياسيتين الكبيرتين، وما ترتب عليه من انقسام جغرافي وديموغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وضرورة فتح حوار شامل بين مختلف الأحزاب والقوى السياسية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين من الجانبين تمهيدا لاستشراف المراحل القادمة ومواجهة صعوباتها.
أعتقد أن هناك شرطا هاما لتحقيق ذلك هو الخروج من حالات المزايدة السياسية، ذلك أن أحد أبرز أمراض الساحة الفلسطينية هو اعتقاد كل طرف من أطرافها أن برنامجه سيتحقق فور إجبار خصومه السياسيين على الموافقة عليه، وكأن مسألة الاستقلال الفلسطيني لا تقع في ساحة المواجهة مع إسرائيل بل مع طرف فلسطيني خصم.
نقول ذلك وننتظر أن ترتفع القوى السياسية المختلفة إلى مستوى المسؤولية الكبرى، وأن تخرج من مواقف اللامبالاة السائدة هذه الأيام، فدون ذلك لا انتصارات ولا تقدم، ولا يمكن لنا الحديث عن آمال سياسية يمكن أن تتحول إلى حقائق في أرض الواقع، إن لم نقل أن العكس هو الصحيح. فالعجز عن استنهاض ما هو قائم، سوف يجرُ على الجميع خيبات كبرى جديدة ستكون هذه المرة أقسى وأشد تأثيرا .
"المستقبل"




















