هل هناك خلل ما في سلوك الأميركيين الجمعي أم انه خلل على مستوى القيادة؟ هل يمكن أن يكون النموذج الاجتماعي والاقتصادي الناجح الذي جسد على مدى أكثر من نصف قرن مضى مبادئ الريادة الفردية والحريات والازدهار قد فقد معناه بعدما تمكن من إقصاء منافسيه الايديولوجيين، فصار بحاجة الى «عدو» بديل؟ وهل مشاعر العداء للإسلام والمسلمين هي إحدى تنويعات العنف اللصيق بشخصية وتاريخ الأميركي الأبيض أم انها كبوة موقتة مثلما قال باراك أوباما أول من أمس لمناسبة ذكرى اعتداءات 11 أيلول؟
الرئيس الأميركي اعتبر أن مواطنيه يتصرفون في «الأوقات الصعبة» بلا عقلانية فيتملكهم الشعور بالخوف والانقسام، وكان يشير بذلك الى الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالولايات المتحدة وترفع معدلات البطالة وتخفض التقديمات الاجتماعية وتهز صورة أغنى وأقوى دولة في العالم، في ظل الكلفة الهائلة المستمرة لحربين في العراق وأفغانستان انتهت أولاهما الى الفشل فيما الثانية مرشحة لمصير مماثل، بينما لا يزال القادة الرئيسيون لتنظيم «القاعدة» طليقين ولا يزال الجنود الأميركيون يُقتلون.
لكن هل هذا التفسير يكفي لتبرير أن دولة بهذا الحجم لا تستطيع منع أحد رعاياها من إحراق المصاحف وابتزاز العالم كله تقريباً؟ ربما تكون القوانين المحلية في ولاية فلوريدا، حيث كنيسة تيري جونز، تبيح له ذلك أو لا ترى فيه مخالفة، لكن ماذا عن الأمن القومي الأميركي؟ أليست له الغلبة على ما عداه؟ أليس هناك وضع طارئ يمنح السلطات المحلية أو الفيديرالية حق التدخل لمنع عمل يهدد حياة أميركيين آخرين بإجماع كل المسؤولين في واشنطن؟ لا بد أن جونز المغمور يستمد جرأته من حال الانقسام الداخلي التي أشار إليها أوباما، وكذلك من الاستياء المتزايد من أداء أول رئيس أسود ومن دفاعه عن بناء مسجد قرب الموقع السابق لبرجي مركز التجارة العالمي، وربما كان يتمتع بدعم خفي من جهات سياسية تسعى لإحراج الرئيس المتهم بمحاباة المسلمين عشية الانتخابات النصفية.
مرت تسع سنوات على اعتداءات 11 أيلول ولا تزال جذوة الحقد على المسلمين في الولايات المتحدة مشتعلة بل وتزداد تأججاً. تحول هؤلاء غداة المجزرة، وخصوصاً الأميركيين منهم، الى أهداف للانتقام على المستوى الشعبي، ولكن أيضاً على المستوى السياسي عندما قررت إدارة جورج بوش عقاباً جماعياً للشعب الأفغاني وليس لـ «القاعدة» وحركة «طالبان» وحدهما. ولم تستفق الولايات المتحدة سوى متأخرة لتميز بين الاثنين، ولتضع «خططاً استراتيجية» خلاصتها التقرب من المواطن الأفغاني لإقناعه بأن عليه السماح للجنود الأميركيين بالانسحاب بسلام من دون هزيمة مدوية.
التاريخ الأميركي حافل بحالات استهداف الأقليات، وما حصل للمواطنين من اصل ياباني بعد بيرل هاربور لم يكن من عمل أفراد بل كان قراراً على مستوى قيادة البلاد. لكن على عكس اليابان، ليس هناك أي دولة مسلمة في حالة حرب مع الولايات المتحدة اليوم. هناك منظمات إسلامية متطرفة لا يميز إرهابيوها دين ضحاياهم ولا أعراقهم، مثلما يحصل في باكستان والعراق واليمن، وتدينهم غالبية المسلمين.
المشكلة الفعلية تكمن في أن رد الفعل الأميركي على اعتداءات أيلول، على رغم الخطاب الرسمي الذي أكد انه لا يستهدف الإسلام والمسلمين، شجع سائر الأميركيين ومعظم الغربيين على وضع المسلمين جميعاً في سلة واحدة، وجعلهم ينظرون الى أي مسلم، حتى من مواطنيهم، على انه مشتبه به. وليست فضائح ممارسات الجنود الأميركيين اللامعقولة في أبو غريب وفي قندهار سوى الدليل الدامغ على هذه التعبئة. ومع أن الإدارة في واشنطن تغيرت وتحاول تغيير خطابها، إلا أن الأميركيين لم يتغيروا بعد، وربما لن يتغيروا أبداً.
"الحياة"




















