لماذا كل هذا الصراخ؟
ولماذا كل هذه العنتريات؟
أليس الكلام بهدوء أفضل من الصوت المرتفع؟
أليس الحزم والجدية أفضل؟
إذا أردتم اسقاط الحكومة فالصراخ ليس بنداً دستورياً تسقط من خلاله الحكومات، وإذا اردتم تطيير المحكمة فإن منع لبنان من تقديم حصته فيها لا يُسقطها بل يكشف مَن كان في الأصل ضد المحكمة لكنه كان يُساير تبعاً للظروف ولموازين القوى، ولمَّا اعتقد بانه صار قادراً على رفضها جهاراً أقدم على هذه الخطوة معتقِداً أنه بالتهويل والتهديد والوعيد قادرٌ على إسقاط المحكمة.
الهدوء ثم الهدوء ثم الهدوء، الحِدَّة لا توصل إلى شيء، هناك دستور وقوانين مرعية الإجراء، وهناك مؤسسات تسير وفق أحكام الدستور، فلماذا لا يتم الإحتكام إليه؟
لقد خبر اللبنانيون ثمن الإحتكام إلى الشارع فماذا كانت النتيجة؟
حروبٌ امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً، ولعل سنوات الحرب اللبنانية ضاهت في عددها سنوات الحربين العالميتين الأولى والثانية، فماذا حصد اللبنانيون غير الخراب والدمار والضحايا؟
تُرى، ألم نتعلَّم شيئاً؟
لماذا لا تتم العودة إلى المؤسسات، من مؤسسة رئاسة الجمهورية إلى مؤسسة مجلس الوزراء إلى مؤسسة مجلس النواب إلى المؤسسة المستحدثة أي طاولة الحوار؟
ألا تكفي كل هذه المؤسسات ليتم الإحتكام إلى كلام النبرة العالية والتهديد والوعيد؟
ألا تستقيم الحياة السياسية إلا إذا خرجنا من المؤسسات إلى الشارع؟
الصراخ لا يُخفي جملة من الحقائق لعل أبرزها:
ان الحكومة الحالية مستمرة بثقة مجلس النواب بها وإذا أرادوا نزع الثقة عنها فلينعقد مجلس النواب وليطرح الثقة بها.
ان رئيس الحكومة ونحن على علم ليس في وارد تقديم استقالته استجابة لرغبات بعض مَن يتمنون هذه الخطوة، فهناك التزامات تجاه الناس وهو مسؤول أمامهم بمقدار ما هو مسؤول أمام ممثليهم من النواب، والمسؤولية تجاه الناس تعني الكثير للرئيس الشاب الذي يعتبر ان الناس هم سبب وجود الحاكم في منصبه.
ثم هناك عاملٌ آخر لا يقل أهمية عن العوامل التي سبقت لا بل يزيده أهمية وهو المظلة العربية لهذه الحكومة، وقد تأكدت هذه المظلة وتوثقت في الزيارة المشتركة التي قام بها للبنان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الأسد، ويذكر الجميع انه قبل تلك الزيارة كان بعض الواهمين يضرب الموعد تلو الآخر لرحيل الحكومة فجاءت تلك الزيارة بمثابة انتكاسة للواهمين.
أكثر من ذلك فإن مفاعيل تلك الزيارة ما زالت قائمة خصوصاً ان التنسيق السعودي – السوري حيال لبنان ما زال قائماً، فكيف يحل بعض السياسيين محل القادة العرب ويروحون يُطلقون العنان لمخيلاتهم الخصبة التي لا تعكس سوى أمنياتهم وليس حقيقة الوضع.
من خلال كل ما تقدَّم، فإن الحكومة تحتفل بعد فترة بإطفاء شمعتها الأولى لتُضيء شمعتها الثانية، حتى ولو أن هذه الإضاءة لن تُريح الواهمين الذين يملأون الدنيا صراخاً بدل الوقائع.
الانوار




















