إذا ما أردنا أن نسرح بآفاقنا بحثاً عن إسقاط شامل كامل لمفردتي «مفترق الطرق»، فإننا لن نجد أفضل من حالنا العربي توصيفاً وشرحاً وإسهاباً، وكأني بهذا الامتداد من المحيط إلى الخليج ما هو إلى عبارة عن مفترقات طرق لا تكاد أن تصل إلى قرار، حتى سرعان ما تفاجأ بمفترق جديد يتطلب استنفاراً قد يرافقه كم هائل من الاستنزاف للمقدرات وهدر الطاقات.
وما سواه من إفناء للبشر، وهدم للحجر، وتكالب لا رحمة فيه ولا هوادة، في مشاهد تكاد أن تتكرر في أكثر من بقعة على الخارطة العربية، وما يجمعها أنها جميعاً على مفترق طرق، حتى باتت هذه المفردة توصيفاً للخلل والتوتر بكافة أنواعه.
قالوا ولا يزالون يقولون إن القضية الفلسطينية على مفترق طرق، ومن رحم القضية انفرز أكثر من مفترق، منها الأقصى، ومنها المقاومة، ومنها المصالحة، ومنها السلطة الوطنية، ومنها الأرض، ومنها الدولة المستقلة، ومنها المستقبل، والحبل على الجرار في رحلة بحث عن الصائب من المسالك.
بعد أن كثرت الفتاوى، وتداخلت التدخلات، وتوحشت الضغوط، حتى بات حليم القوم حيراناً من كثرة تفريعات الطرق ووعورتها، وصعوبة اختيار الآمن منها والمحقق لحد مقبول من الانتصار.
وعن العراق حدّث ولا حرج، فأهل الرافدين أضاعوا الطاسة، ولا يزالون يمارسون سجالهم كلاماً ودماً، ومن شدة الوطيس غفل رجال حكمه عن التنبه إلى أن بلدهم على مفترق طريق حاد أمضى من حد الصارم، وهو في حاجة إلى روية المخلصين، لعل وعسى أن يخرج من وهدته، ويرى أهله نوراً يهديهم إلى أصوب سبيل.
أما السودان فإنه على موعد لا يستطيع أن يخلفه، فهو على مفترق اسمه استفتاء الجنوب، مما سيفتح أمامه لا متناه من الطرق، في لحظة تاريخية بكل اقتدار، بحكم ما سيترتب على خيار الانفصال او اختيار البقاء ضمن سودان واحد.
وليس بعيداً عن ما سبق ما يعيشه لبنان من ضجيج وطحن وعجن منذ سنوات، وكأني به أدمن الوقوف على المفترقات، وفقد القدرة على التوازن بقدر يعطية فرصة اختيار الطريق بعيداً عن الطائفية وآثامها.
وسرد سلسلة الواقفين على مفترقات الطرق أكبر من أن تحتمله مقالة، لكن المحصلة تكمن في فقدان البوصلة.




















