مع عودة رئيس الجمهورية من نيويورك والمكسيك، بعد أكثر من أسبوع من الغياب، تكون المساعي التي يُفتَرَض أن تقوم بها رئاسة الجمهورية قد تأخّرت أسبوعاً في وقتٍ يُسابق فيه الجميع الزمن لتفادي وقوع المحظور في بلدٍ بات الحديث فيه عن (فتنة) أو (حرب أهلية) سهلاً كشربةِ ماء.
إن دور الرئاسة محوري للحد من التشنجات القائمة، واليوم قبل الغد يجب ابتكار وسائل وبدائل لحث الأقطاب والمؤثرين والفاعلين على الجلوس مع بعضهم البعض من أجل طمأنة الناس إلى أن الفتنة أو الحرب الأهلية ولَّت إلى غير رجعة.
من الإقتراحات التي يمكن الأخذ بها انعقاد مؤتمر وطني في القصر الجمهوري يضم كل الأفرقاء من دون استثناء ويُصار فيه إلى التأكيد على عدم استخدام السلاح في الداخل أياً تكن الإعتبارات والظروف.
ومن الإقتراحات أيضاً عقد قمة روحية في قصر بعبدا علَّ رؤساء الطوائف يضعون السقف الذي يدفع السياسيين إلى الإلتزام به.
ما كان لهذه المقترحات أن تظهر لو أن المعنيين في لبنان يُبادرون إلى القيام بما هو مطلوبٌ منهم من دون أن ينتظروا طلباً من أحد، فالوضع الإستثنائي يمكن أن يبقى استثنائياً ما لم يُقدِم أحدٌ على المبادرة وتكون مبادرته بحجم الأخطار والمخاوف.
أليس من المهام المطلوبة من رئاسة الجمهورية السهر على حسن تطبيق الدستور?
إذا أخذنا عيِّنات مما يجري هذه الأيام فإن الإمعان في محاولات المس بالدستور باتت واضحة ولا تحتاج إلى جهد في التفتيش عنها، ومن الأمثلة الفاقعة في هذا المجال عرقلة إقرار الموازنة العامة لهذه السنة كما عرقلة بدء وضع الموازنة العامة للسنة المقبلة، فهؤلاء الحريصون على أموال الخزينة والذين ملأوا الدنيا صراخاً (مندِّدين) بتأخير الموازنة، ما هو رأيهم اليوم في هذا التأخير غير المبرر?
لعل ما يجب أن يكون مفهوماً من الجميع هو أن هذا البلد لا يقوم ولا يستمر على التحديات كما لا يقوم ولا يستمر على (رفع الصوت) في وجه بعضنا البعض، فالضعيف والقوي والفقير والغني والقاهر والمقهور، جميعهم يتساوون أمام الدستور وأمام القوانين المرعية الإجراء، فمهما حاول البعض أن يُوحوا بأنهم فوق الدستور وفوق القوانين فإن هذه الإيحاءات وهذه العراضات لا تُجدي نفعاً ولا تؤدي إلى أي تعديل في الأوضاع، فهذا البلد قائم على ثوابت.
وهذه الثوابت هي بقوة الدستور ومفاعيله، ومن هذه الثوابت التوافق وعدم إشعار أيٍّ من الأطراف بواقع الغلبة، فمتى يقتنع النافخون في بوق التهويل والوعيد أن كل معاركهم لن تنتهي إلا بالتوافق، ومَن لا يُصدِّق هذه الحقيقة عليه أن يراجع ما شهده لبنان منذ العام 1975 حتى اليوم لعله يجد الجواب في مراجعة هذه الحقبة الغنية بالشواهد والشهادات.
الأنوار




















