بدأ بحوثه العلمية حول الإسلام منذ أوائل الستينيات وحتى اليوم، فقد رأى ان الدراسات حول الإسلام، ما تزال قاصرة عن بلوغ المستوى العلمي النقدي المطلوب. فقسم الدراسات التي اهتمت بقراءة القرآن والنصوص الإسلامية الكبرى إلى ثلاثة أنواع: أولها القراءة الإيماني، أو اللاهوتية، وثانيها القراءة الاستشراقية، التي يسميها (الإسلاميات الكلاسيكية)، وثالثها منهجيته هو، التي يسميها (الإسلاميات التطبيقية)، التي تبدو له أنها الوحيدة الصحيحة طالما تتبع المنهجيات الجديدة التي ظهرت في ستينات القرن الماضي. أما القراةء الأولى الإيمانية/ اللاهوتية، فقصد بها التراث التفسيري الذي خلفه المسلمون، وكل ما دون عن القرآن الكريم، قديماً وحديثاً. وتتميز هذه القراءة بخاصيتين: انها تظل مسجونة في قفص الدوغمة المغلق. وعندما تحولت إلى مسلمات أو ما يشبه النص المقدس. من هنا، يدعو أركون إلى تفكيك البديهيات والمسلمات، بالحفر على أساساتها على طريقة المنهجية الجنيالوجية ومن خلال المنظور الذي بلوره نيتشه لنقد القيمة، وذلك لكشف الوظائف النفسية لهذه العقائد الإيمانية.
وبالنسبة للقراءة الثانية، أي الإسلاميات الكلاسيكية، ويقصد الاستشراق، فقد لعبت هذه المعرفة دوراً إيجابياً، وأهم مكتسباتها: الطباعة النقدية لمجموعة من كبريات النصوص العربية الإسلامية الكلاسيكية، التي كانت منسية لعدة قرون، واعتمدت على المنهجية الفللوجية الصارمة التي تشكل احدى الميزات الأساسية للإسلاميات الكلاسيكية. أما عن وجهها السلبي، فأركون لا يهمه المحاكمة الاتهامية والايديولوجية للاستشراق، لأن المشكلة الحقيقية لديه تكمن في الكشف عن المسلمات الضمنية والخفية للاستشراق، فهو يموضع نقده للاستشراق على الصعيد الابستمولوجي لا على الصعيد الايديولوجي كما يفعل معظم المثقفين، فينبغي تجاوز لغة الاتهام إلى الانخراط في نقد ابستمولوجي عميق للنظام الفكري العربي الإسلامي الكلاسيكي.
فعلى الرغم من تأثره في بدايته بمنهج لوسيان فيفر التاريخي، وبطريقة رجيس بلاشير الفيلولوجية، فقد انحاز اركون لجيل ميشيل فوكو وبيير بورديو وفرانسوا فوريه، الذين أحدثوا ثورة ابستمولوجية ومنهجية في الفكر الفرنسي، حاول أركون تطبيقها في الفكر العربي الإسلامي، وكرّس حياته العلمية كلها لإنجاز مشروعه النقدي، أي بناء القراءة الثالثة (الإسلاميات التطبيقية)، وذلك بإخضاع النص لمحك النقد التاريخي المقارن والتحليل الألسني التفكيكي وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعني وتوسعاته وتحولاته.
فعوّل بذلك على ما يسميه (الإسلاميات التطبيقية) كمنهج وعلم لا بد منهما، ليس فقط لتعرية الصورة السائدة عن الإسلام والمجتمعات في الماضي والحاضر بل للمساهمة في صنع المستقبل، وهذا طموح كبير للغاية! فيبدو أركون يبتغي من دراسته للعقل الإسلامي الكشف عن عيوبه، في سبيل تحديثه، أو وضع الامكانيات النظرية لانبثاق وعي إسلامي جديد يواكب العصر. وانطلاقاً من اعتباره العقل الإسلامي رهينة النص، يدعو إلى تحرير العقل من أية تبعية، ليحتل مكان الحاكم الأول والمرجع الأول في كل ما يخص بمعارف الإنسان وعلاقاته بالعالم. وعلى هذا يرى أركون ان نقد التراث على سبيل التحرر منه عبر امتلاكه معرفياً، هو المقدمة التي لا بد منها للتحرر، والحداثة. بالتالي يجب تجاوز الإسلاميات الكلاسيكية وتأسيس استراتيجية لدراسة التراث، وتنمية فكر نقدي ابستيمولوجي حول المنظومتين العربية الإسلامية، كشرط أول لقيام ما يسميه إسلاميات تطبيقية، التي هي "ممارسة علمية متعددة الاختصاصات، تتعدى مهامها الاهتمام النظري إلى الجانب العملي، وتأخذ على عاتقها دراسة المشكلات التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، وتتموضع، برأي اركون، داخل هذه المجتمعات كي تتعرّف على مشاكلها القديمة والحديثة"، وتهتم بواقع المسلمين الراهن، وبالفكر العلمي الحديث، لاسيما في جانبيه الاجتماعي والإنساني.
ان ما يطرحه أركون، وعلى نفسه، من مهام تحت اسم (الإسلاميات التطبيقية)، يشبه ما كان يطرحه على نفسه المستشرق الكلاسيكي من مهام تشمل المجتمعات الإسلامية كافة، فيقوم بدور عالم الاجتماع والفيلسوف والمؤرخ والجغرافي والانتربولوجي والناقد الثيولوجي وعالم النفس الاجتماعي وعالم الاقتصاد، لأنه يتعامل مع المجتمعات المدروسة، ومع إنجازها الثقافي، كمجتمعات بدائية يسهل على باحث واحد أن يدرسها من جميع وجوهها، فعلى الرغم من إنكار أركون (نظرياً) لوجود (إسلام جوهراني جامع) فإنه وبالمهام الشاملة التي يطرحها على نفسه تجاه (المجتمعات الإسلامية)، يفترض ضمناً هذا المفهوم الجوهراني للإسلام من جهة، ويستسهل من جهة أخرى المهام التي طرحها على (إسلامياته التطبيقية)، والتي تحولت لديه إلى (علم العلوم)، وهي مهام كبرى تتعلق بتقسيم العمل بين فروع العلم المختلفة، فضلاً عن حاجتها لدراسات اقليمية يختص بها الباحثون المختلفون في (البلدان الإسلامية) المختلفة، وليست من اختصاص علم جامع للعلوم!
وبالمقارنة مع هذا الطموح (المعجزة) فإنّ أركون – إذ استثنينا كتابه المهم عن النزعة الإنسية العربية اكتفى إلى الآن بالنقد والتعرية وكشف سطحية الفكر الإسلامي السائد وهي مهمة تحسب له، وأيضاً شرح وروّج لمنهجيات الدراسات الألسنية والتفكيكية والانثربولوجية في أوروبا وهذا لا بأس به، ولكنه لم يقم بإنجاز عملي تطبيقي لهذه المناهج المبتكرة فبقي بحثه من هذا الجانب يعاني الفراغ والنقص، وقد عبر عن ذلك حامد أبو زيد، بقوله انه "تعبير عن الترويج لمنهج نقدي، أكثر من تعبير عن بناء منظومة فكرية أو نسق متين، من هنا تأتي صعوبة الحكم على المشروع حكماً نقدياً"!
"المستقبل"




















