كُثر نظروا الى "الانتفاضة" الاخيرة لرئيس مجلس النواب نبيه بري في جلسة مجلس الوزراء ليل أول من أمس على أساس انها خطوة في سياق مخطط دبرته في ليل قوى المعارضة، عن سابق تصوّر وتصميم، ينهض على فكرة توزيع الادوار بين مكوناتها وقواها ورموزها، وبالتالي فإن الاوان آن ليأخذ بري دوره، و"يضرب ضربته" التي تعيده الى الواجهة بعدما اكتفى طوال الفترة السابقة بأداء دور الصامت في معظم الاحيان، وهو ما أثار استغراب البعض ودفع البعض الآخر الى اطلاق سيل من التكهنات وصل به الى حد التساؤل حقيقة عما اذا كان بري، الذي ملأ طوال العقود الثلاثة الماضية، دنيا السياسة وشغل ناسها، قد دخل مرحلة "التقاعد" السياسي التدريجي.
صحيح ان بري كان حريصاً خلال الأشهر الاخيرة على التواصل مع الرأي العام والوسط السياسي من خلال مواقف ورسائل "مشفرة" يبعث بها عبر بعض الاعلاميين الذين اعتادوا "المداومة" في مجلسه الليلي، إلا ان هذا الامر، على بلاغته، لم يكن كافياً ليقول لمن يعنيهم ذلك ان "اللعبة الاساس" في الحدث السياسي الساخن والحار قد عادت الى عين التينة.
وبناء على كل هذه الوقائع والمعطيات طرحت الاوساط السياسية امس وأول من أمس أكثر من تساؤل حول ابعاد "التصعيد" المفاجئ الذي مارسه الرئيس بري عبر وزرائه، والذي غيّر فعلاً والى حد بعيد مسار اللعبة السياسية التي كادت في الآونة الاخيرة أن تأخذ نمطاً محدداً، يتركز على نوع من "الزجل" السياسي الى درجة بدا معها السياسي المخضرم (أي بري) وكأنه يستعيد الامرة السياسية في قوى المعارضة من الآن فصاعداً، سيما وانه حرص في الايام القليلة الماضية على الايحاء بأنه "ينام" على مبادرة ما "فيصلية" الطابع من شأنها فتح باب الابواب الموصدة أمام الحلول الناجعة.
لا ريب في ان الذين هم على "تماس" مع حركة بري السياسية منذ أن بدأت أزمة القرار الظني الموعود تلقي بظلالها الثقيلة على الساحة اللبنانية، لمسوا تدرجاً في رؤى بري حيال هذا القرار الذي ما زال نصه طي الكتمان، فهو في بداية الامر كان يتساءل أمام "خاصته" هل فعلاً ثمة قرار ظني فعلاً، وهل سيصدر؟
ولاحقاً عندما تناهى الى علم بري وفريقه ان الامر أعقد مما يتصور وان حلفاءه يقيمون على تحليل بالغ الخطورة، انصرف الى الترويج لامرين الاول أهمية معادلة الـ"س – س" التي من شأنها أن توفر مظلة أمان للوضع في البلاد وتحول دون انزلاقه نحو الاحتمالات السوداء، والثاني ان ابتعاده عن الواجهة وعدم دخوله طرفاً مباشراً في مواجهة القرار الظني الموعود على غرار ما فعل "حزب الله" والآخرون في صف المعارضة، لا يعني انه ليس طرفاً في المواجهة، او انه نأى بنفسه عن الميدان، بل ان "احتجابه" أمر متفق عليه سلفاً، وهو ضرورة من "ضرورات اللعبة" التي تستوجب لاحقاً ظهوره بمظهر المفاوض أو صاحب الدور الوسيط المقبول الحامل في جعبته مبادرات التسوية في اللحظة الحرجة وفي اللحظة الحاسمة. وبالطبع وجد بري في التطورات الدراماتيكية التي أعقبت ظهور اللواء المتقاعد جميل السيد في مؤتمره الصحافي الشهير الذي عقده قبيل مغادرته الى مقر المحكمة الدولية في لاهاي، ثم في "العراضة" السياسية – الامنية في باحة مطار بيروت الدولي، مبرراً آخر "للاعتكاف" عن المشهد وللذهاب الى مقره في المصيلح وقفل خطوط هاتفه المباشرة، وهو موقف لافت واضطر لاحقاً أن يجمع "أركان" حركته، ويقدم لهم تفسيراً خاصاً له، قوامه: "نحن لسنا متماهين اطلاقاً مع ما حصل في مطار بيروت الدولي، ولكن نحن لم نخرج من صف المعارضة، بل نحن معها، وجزء منها، ولكن لنا قراءتنا الخاصة لمسار التطورات ومآلها".
هذا التفسير حسم الى حد بعيد السجال وقطع دابر التساؤلات داخل حركة "امل" لكنه لم يفضِ الى جلاء الغموض وازالة الالتباسات خارج الحركة ولا سيما داخل اطار قوى المعارضة. ولقد اضطر احد ابرز نواب الحركة الى ان يخرج من جلسة لجنة المال والموازنة النيابية والتي ناقشت مسألة تمويل المحكمة الدولية ليسأل الرئيس بري هاتفياً عن الطريق الواجب سلوكه حيال الامر، فأتاه الجواب أن عليه ان يكون مع المعارضة وأن يصب صوته وصوت نواب "كتلة التنمية والتحرير" في اللجنة في مجرى توجهات المعارضة.
على هذا المنوال نسج بري مواقفه ومواقف حركته طوال الاشهر الاربعة الماضية في المعارضة وفي المراحل المفصلية، على ان يظل الخطاب السياسي لرموز الحركة ونوابها تحت سقف واحد هو رفض الفتنة والدعوة الدائمة الى الحوار على الا يكون مسألة القرار الظني لازمة دائمة في هذه الخطابات. لكن الواضح ان ثمة معطيات تكوّنت لدى بري ورسائل وصلت اليه في الآونة الاخيرة فحواها ان "المواقف الرمادية" التي وقفها مع اركانه طوال الفترة الماضية لم تعد مستساغة، بل صارت اقرب الى ان تكون مضرة للمعارضة التي دخلت في الآونة الاخيرة مرحلة مصادمة حقيقية لمواجهة القرار الظني والمحكمة الدولية.
اكثر من ذلك، فالذين هم على تواصل مع الحلقة المقرّبة من بري خرجوا باستنتاج مفاده ان الرجل استشعر في الايام الاخيرة تطورين لم يكونا في الحسبان:
الاول: ان المعادلة "الذهبية" بالنسبة الى بري والتي يحبذها الى حد العشق وهي معادلة الـ"س – س" قد اصيبت في الآونة الاخيرة بتصدعات، او على الاقل اعتراها خلل ما في مكان ما.
الثاني: ان الرئيس سعد الحريري "لم يلتقط" بشكل جيد الموجة السورية ولم يستوعب إما عن قصد او غير قصد اعماق توجهات القيادة السورية ورؤاها خصوصاً ذات الطابع الاستراتيجي.
وبمعنى آخر استشعر بري ان "المواقف الرمادية" التي كانت بالنسبة اليه من مستلزمات مرحلة ما بعد انفتاح الحريري على دمشق والتي كانت حصيلتها الزيارات الخمس ومن عدة مرحلة "معادلة الـ س – س" لم تعد تفِ بالغرض، او لم تعد لائقة للمرحلة التي بلغها الوضع اليوم.
وعليه كانت تلك هي "الخلفية" التي انطلق منها الرئيس بري ليعلن "انتفاضته" الجديدة.
لا شك في ان هذه الخطوة المفاجئة التي باغتت حتى الحلفاء الاقربين في مجلس الوزراء قد جعلته نجم الفضاء السياسي اللبناني اخيراً. لكن السؤال المطروح بالحاح هو الى متى، واستطراداً الى اين سيمضي بري بهذه "الانتفاضة" وعلى مَ "يرسمل"؟
في صف قوى المعارضة من يزعم ان هذه الخطوة على اهميتها أتت بمثابة "حبل انقاذ" للكثيرين وأولهم رئيس الجمهورية ميشال سليمان نفسه بعدما بات "محرجاً" جداً امام قوى المعارضة، بسبب عدم اقدامه على فعل اي شيء حيال ملف "الشهود الزور" وعدم تحريكه ساكناً في هذا الموضوع الحساس والمهم بالنسبة اليه، مما دفع هذه المعارضة الى الشروع في توجيه رسائل "عتب" اليه كان ابرزها اول من امس على لسان الوزير السابق وئام وهاب. ولم يكن خافياً ان هذه الرسالة كانت البداية اذ ستليها رسائل مماثلة.
اما المستفيد الثاني من خطوة بري فكان وزير العدل ابرهيم نجار نفسه الذي صار بامكانه بعد"طحشة" بري وانتفاضته ان يواجه الضغوط التي مورست عليه والتي حالت دون طرحه التقرير الذي سبق وأعده بهذا الشأن.
وفي المعارضة نفسها من يرى أن "انتفاضة" بري الوزارية ساهمت ايضاً في اخراج كل فريق الرئيس الحريري من حال "الارباك" و"الاحراج" الذي آلت اليه بعد صدور المذكرات القضائية السورية، اذ من المعلوم ان هذه المذكرات جاءت فعلا في جانب من جوانبها المتعددة كرد على المماطلة في فتح ملف "الشهود الزور".
وعليه وبعد ما حصل صار بامكان هذا الفريق ان يطالب برفع مسألة المذكرات السورية ويعتبر انها باتت من الآن فصاعداً غير ذي شأن، ولم يعد لها ضرورة.
وبالنسبة الى رفاق بري في المعارضة فانهم ولا ريب سيتصرفون على اساس ان ما حصل اول من امس، لا سيما لجهة اجبار مجلس الوزراء على الخروج من حال المراوحة والمماطلة في شأن ملف "الشهود الزور"، هو مكسب كبير لهم على صعيد لَي ذراع خصومهم، ولكن من البديهي ان في هذا الفريق (اي المعارضة) من سيقول لبري ان ما أَقدمتَ عليه ولو بشكل متأخر كان عظيماً ولكن عليك ان تكمل، فماذا في جعبتك بعد؟
وهنا"مربط الفرس"، فماذا لدى بري بعد الذي اقدم عليه؟
"النهار"




















